يمتلك المكان أهمية تعبيرية بالغة في المسرح؛ باعتباره حاضناً للحبكة والأحداث والشخصيات والحوارات والمؤثرات السمعية والبصرية المصاحبة، التي تصنع في النهاية قيمة ملموسة للعرض المسرحي، يمكن التجاوب معها دلالياً وضمنياً، في سياق التذوق الفردي من جهة، والتفاعل الجماعي من جهة أخرى. في بدايات انطلاق الحركة المسرحية بالإمارات، كانت بنية الحكاية هي المسيطرة على بنية العرض، وكانت هي الفارضة لشروطها على المناخ البصري في التكوين المسرحي، باعتباره مناخاً لصيقاً بتفاصيل الحكاية المجسّدة على الخشبة، ولكن الإشكالية التي لم ينتبه لها المؤسسون للحركة المسرحية المحلية، كانت تتمثل في سيادة التصوّر الظاهري الملزم للنص، بدلاً من الاستئناس بالاقتراحات الجمالية البديلة التي يقدمها المخرج للتحرر من هيمنة النص.

وتمثّلت الإشكالية الأخرى، في غياب الوعي المتعلق بمكان العرض، في مقابل المكان المتعلق ببيئة النصّ، الأمر الذي يدفع بالمخرج إلى اعتبار الحيّز المتاح على الخشبة هو الإطار الوحيد المناسب للعرض، ما يجعل حدود التخييل لديه محكومة بهذا الإطار المكاني الذي فرضه النص أولاً، وفرضته إمكانات الخشبة وحدودها ثانياً.

جرأة وتجريب
ومع تراكم الوعي المسرحي، وظهور نخبة من المخرجين المسرحيين الدارسين لفنون المسرح، ومع الاحتكاك مع فنانين عرب، والاطلاع على تجارب متقدمة، أصبح المخرج المسرحي الإماراتي أكثر جرأة في البحث والتجريب واقتحام مناطق تعبيرية جديدة، وأصبح التعامل مع المكان المسرحي أكثر رحابة وانفتاحاً، وأكثر انتماء أيضاً لخيارات المخرج، لا لإملاءات النصّ، فرأينا المخرج ناجي الحاي، وهو يطلق حدوسه اللاهبة في مسرحية «حبة رمل»، التي نفذها في الهواء الطلق وعلى الرمال، التي احتفظت طويلاً بهذه البصمة المسرحية المغايرة، والتي ظلّ غبارها المضيء يهطل على الذاكرة الفنية في كل مرة يتم التطرق فيها للأعمال، التي خرجت من «العلبة الإيطالية» في مسيرة المسرح المحلّي، وهذا التمرّد الإيجابي هو الذي دفع بالمخرج جمال مطر إلى التصريح وبشكل مباشر، بأن أعماله تقع خارج سلطة النص، وكانت مسرحية «جميلة» التي قدمها على شاطئ بحر الخان بالشارقة مثالاً صارخاً لهذا التحرّر من قيود المكان المؤثّث داخل النصّ، وبعد ناجي الحاي، وجمال مطر، جاء المخرج محمد العامري ليطلق تلك الإمكانات الهائلة لطاقة التجريد في فضاء العرض، فقدم «المكان» في أكثر من عمل له كحالة لا كبنية، وكانت الشخصيات والأحداث تبدو في أعماله تلك، وكأنها تجري في الفراغ أو اللاّمكان، لأن انحياز العامري الأكبر كان للفكرة وكيفية إيصالها للجمهور، لذلك كان يتخطّى طبيعة وملامح المكان، بحيث تكون السينوغرافيا المصاغة في بيئة العرض هي الخادمة للفكرة، لا العكس.
وكان المسرحي الإماراتي الرائد عبدالله المناعي، وما زال أحد العلامات المضيئة التي انتبهت مبكراً لأهمية دور المخرج المسرحي في ابتكار عروض لا تخضع لضغوط النصّ، وأهمية أن تكون للمخرج تأويلاته الخاصة ونظرته المتعمقة لمستويات النص ودلالاته، فكان اختياره لمكان العرض داخلاً ضمن لعبته المسرحية الموزعة على الديكور والإكسسوارات والملابس والمؤثرات المصاحبة، ليتحول المكان إلى كتلة ذائبة داخل مكونات العرض الأخرى.
توازن
إن جماليات المكان المسرحي كانت دائماً ما تشغل بال المخرج الإماراتي، وكان الصراع دائماً ما يحتدم في ذهن هذا المخرج، حول كيفية توظيف واستثمار النص المسرحي ضمن آلية متأرجحة بين الاستدلال بهوية المكان المحلي، أو اللجوء لأشكال وأنماط تمسّ قضايا إنسانية وغير محكومة بزمان ومكان محددين، وكانت أغلب هذه الأعمال باللغة العربية الفصحى، باعتبارها أكثر انفتاحاً على الأفق الإنساني.
ولأنه لا يمكن عزل ثقافة ومرجعية المخرج المسرحي عن بيئة العرض الذي يجتهد لتقديمها أمام الجمهور، فقد لجأ أغلب المسرحيين إلى خلق حالة من التوازن بين رغبتهم في التجريب والمغامرة، وبين اللاوعي المرتبط بالهوية والخصوصية المحلية، وشهد اشتغالهم على العروض المختلفة حالة من التناوب والتجاذب بين منطقتين مسرحيتين تبدوان على طرفي نقيض، ولكن حالة التوازن التعبيري تلك، جعلت من المكان أو بيئة العرض بالنسبة لهم، فضاء يستحق المناورة والتحدّي، والعمل دائماً على الانتصار لجوهر العرض المسرحي ولخطابه العام، بغض النظر عن الشكل أو البناء الظاهري الذي يقدم من خلاله.
ففي مسرحية «أيام اللولو» لناجي الحاي، نجد هذا التناغم المرهف بين مقولة النص ولغة الإخراج العالية، والمستوى المتصاعد للأداء التمثيلي والإيقاع الدرامي، وتم تقديم العرض كما وصفه المخرج تماماً، فهو بلا ديكور، ولا أثقال ضخمة، ولا بهرجة أو حركة زائدة أو زمن طويل، وفعلاً رأينا في العرض ذلك الفراغ المكاني المهيب، والتقشف السينوغرافي الجارح، الذي يجعل العرض ممتلئاً بالممثل وحده، بخيباته وأفراحه ومراراته وانكساراته، لقد وضعنا الحاي أمام مرآة افتراضية هائلة، تعكس كل تناقضات الواقع واختلاله وعبثيته.
وفي مثال آخر، على قوة التأثير الجمالي للمكان المسرحي نرى في عرض: «تحولات حالات الأشياء والأحياء» لمحمد العامري، أهمية كسر العلاقة بين الانطباع القائم على الوهم، وبين مجاراة الوهم نفسه، وتحليله وتفكيكه داخل المكان التخيّلي الذي يقترحه العرض، والذي يمزج هنا بين التكوين الحسّي، وبين التصوّر التجريدي، مستغلاً البنية الإيحائية للدمى الخشبية أو الماريونات، للانتقال من حالة الثبات والجمود إلى حالة ديناميكية، تجعل من هذه الدمى كائنات عاطفية لها أحلامها ولها أرواحها الناطقة في العتمة والصمت، وقام العامري بهندسة المكان المسرحي ليكون معبّراً عن منظوره الخاص لمعاناة هذه الدمى، وبالتالي نقلها من مفهوم «الشيئية» العاطلة إلى مفهوم «الأنسنة» النابضة، موظفاً السينوغرافيا والأزياء وملامح الفضاء المسرحي لصالح هذه النقلة الغرائبية من الثبات إلى الحركة، ومن المادة إلى الروح.