بقلم - ليزيان راكوتوسون
ترجمة - أحمد حميدة

كان بإمكاني أن أتخيّر لهذا الانطباع عنوان «المنفى والمملكة»، ولكنّني آثرت في النّهاية أن أترك كامو وشأنه، لأهتمّ من قريب بشاعر يظلّ في زمننا الرّاهن غير مقدّر حقّ قدره، ألا وهو إدمون جابيس، معاصراً لرونيه شار، وقريباً من السّوريّاليين دون الانتماء إلى جماعتهم، خلّف لنا هذا الشّاعر إرثاً أدبيّاً ثميناً ومثيراً للدّهشة، وقد جاء كتابه: «العتبة/‏‏الرّمل»، ليختزل مسيرته ويجمع أعماله الشّعريّة، التي امتدّت من 1948 إلى 1988، ولئن عُرف الرّجل بـ «كتاب الأسئلة»، فإنّه لم يحظ بذات الشّهرة بالنّسبة للكتاب الذي عدّه هو ذاته، كتابه الشّعريّ الوحيد، والذي وردت فيه هذه الإلماحة البليغة «أكتُب.. فأقيم لي بيتاً». وبالكتابة، كان جابيس قد أقام لنفسه بالفعل بيتاً ومهجعاً يأوي إليه، أكثر من كونه أسّس أعمالاً أدبيّة أو شعريّة، وإنّه لمن القليل النّادر أن نجد أعمالاً شعريّة مكثّفة ومختزلة في بضع كتيّبات، مثلما كانت أعمال جابيس، وفي تلك الأعمال كان هذا الأخير قد امّلس عن تقليد بات شائعاً لدى أغلب كتّاب هذا العصر، ألا وهو الميل إلى الإفراط في الكتابة والتأليف، حدّ أنّ «كثرة» ما كتبه ويكتبه هؤلاء، لا يعدو كونه محض مراكمة لكلمات غزيرة، هي في غالب الأحيان مجافية لما هو جوهريّ، على أنّ «قلّة» تلك الكلمات في أدب جابيس لا تشي بكونها كلمات «بائسة»، بل هي على العكس من ذلك تماماً، كلمات بليغة، محكمة ونفيسة، ويشهد كتاب «العتبة/‏‏الرّمل» على مدى أصالة هذا الأديب، الذي استطاع أن يُجمِل كلماته، ويجعلها متقبّضة على ما هو جليل وأساسيّ.

يستهلّ جابيس الكتاب «العتبة/‏‏الرّمل» بأغنية «إلى قارئي»، التي كتبت على شكل نثر رقيق، والتي جاءت كلماتها وكأنّها موهوبة من القارئ ومرفوقة بملاحظة للشّاعر: «لن تعثر في هذه الباقة من الأغاني على أغنيتي المفضّلة أيّها القارئ، إنّها تختفي في مكان آخر، في النّسيم الذي يوقظ أهداب العين، وفي تلك النّظرة التي تروّح عليها..».
ويجمع الجزء الأوّل من الكتاب أغاني متنوّعة مثل «أغنية الفيلة الحمراء الثّلاثة»، و«أغنية لبستان راهبة»، أو أيضاً «أغنية لإكليل الفجر»، أغاني نلمس فيها رقّة بالغة في النّظم، بساطة ممتعة للسّرد وثراء بليغ للخيال، ولننصت إلى هذه الخواطر المقتطفة من كتاب «العتبة/‏‏الرّمل»، التي تشي بإحساس وارف للشّاعر بالشّعر:
«عندما يدنو القصيد، يستحيل الشّروق والغروب ليلاً، بدءاً وإنهاءً، كالصيّاد في البحر، يرمي الشّاعر شباكه كيما يمسك بكلّ ما هو متحوّل في اللاّمرئيّ، أي تلك الأعداد الهائلة من الكائنات الشفّافة التي تسكن الصّمت والتي لا نفس لها ولا ثقل، سيظفر الشّاعر هكذا، وبشكل مفاجئ، بعالم متمنّع، يجهل حدوده وتأثيره، ومتى غدا ذلك العالم رهن شبكته، منعه ذلك من إفناء الكائنات التي يزخر بها، كالأسماك التي تحبّذ الموت على ضياع مملكتها. 
مروّع بكلّ  خيال باق، فإنّه يسعى دونما توقّف إلى هتك حجاب مخمليّ.. جفن السر!..».
إنّ كتابة جابيس لشبيهة بجدول يحترق فيه الجمر ببطء وبلا لهب، كتابة تنبعث منها غنائيّة لا تخشى غزارة الصّور، وغالباً ما تستحيل شبيهة بأزاهير بريّة متعرّشة خلل الكلمات وفجوات المفردات، وليست تلك اللّغة باللّغة السّريريّة القائمة على بحث مختبريّ  للكلمات، لأنّ لغة جابيس تعانق كلّ الأشياء: الوصفيّ والمبهم، النّشيد والفرح.. ولأنّ قصائده لا تنتمي إلى أسلوب محدّد في النّظم، كما لا تشي بانحياز الشّاعر إلى نظريّة معيّنة في الكتابة، لذا يتولّد لدينا الإحساس بأنّ هذا الشاعر يكتب كما يتنفّس، وبأنّه يطلق الجمل كما الطّائرات الورقيّة التي ظلّت خيوطها عالقة لزمن طويل بأغصان الأشجار، ونلمس في إلماحاته العشقيّة دائماً ذلك الخليط العجيب من الرقّة والقسوة، من الوضوح والتّظليل، وإنّه لمن الممتع والغريب في آن، أن نلمس هنا إحساسه المرهف بالحبر الذي به كان يخطّ كلماته..
لقد عُرف جابيس– كما رونيه شار- باقتباساته وحكمه وأمثاله البليغة التي تذكّرنا بكبار الحكماء، غريب وغامض، فإنّه يندّ عن التّصنيف، وقراءته تظلّ  عسيرة، لأنّ كتاباته تتوارد علينا دائماً وهي محتشدة بالشكّ والتّساؤل، ولكنّه ذلك الشكّ الذي يحدو بصاحبه إلى قدر ما من اليقين: «إنّ الشكّ  شبيه بحركة المدّ والجزر، فهو يولّد الكلمة التي بواسطتها يعلن الإنسان يقينه» (كتاب الأسئلة).
تأتي كلمات جابيس محاطة بالصّمت، وعلى شكل بروق تكون قد تغذّت من وهج الصّحراء: «لقد كانت تجربة الصّحراء بالنّسبة لي تجربة حاسمة، ما بين السّماء والرّمل، وما بين المطلق واللاّشيء، تظلّ الأسئلة لجوجة وحارقة، إنّ الصّحراء لتلتهب.. ولكن لا تلتهمها النّار، غير أنّ الصّحراء تدعونا أيضاً إلى أن نلقي السّمع إلى حسيسها، وأن نمعن في الإصغاء (...)، فأنا كما المترحّل في تلك الأرض الغفل، أعمل على حصر المساحة البيضاء على الصّفحة، وأجعل منها موطناً ومقاماً».
ولن يعثر جابيس على تلك الأرض الموعودة، ولكنّ الكتاب والصّفحات البيضاء سوف تكون ملجأه المطمئن، وموطنه الذي سوف يقيم فيه بيته.