السرعةُ ظاهرة سلوكية لدى الناس في هذا العصر، ولشدة ما ألفوها، غدت من سائدهم اليومي. النفور من البطء، بالمقابل، آخذ في التجذّر، يوماً بعد آخر، لدى محبي السرعة. الأمر هنا قد يبدو طبيعياً، بحسب عملية التضاد، أو عملية المد والجَزر في أمور وأشياء كثيرة في هذه الحياة، رغم اختلاف الأسباب والدوافع. ذهب البعض إلى ربط أسباب النجاح في الحياة، بالسرعة والاستعجال، لتبدو بقية عناصر النجاح ثانوية وباهتة لا وزن لها.العصر الراهن هو الأسرع بامتياز بين بقية العصور الماضية، ويستحق أن نسمّيه «عصر السرعة والمشتتات الكبرى». لقد اجتمعت فيه وعلى نحو ابتكاري، مفارقة السرعة والتشتت، بدلاً من السرعة والدقة التي هي أكثر إلحاحاً ومنطقيةً. 
في مفارقة السرعة والتشتت، يسقط البطء ومعه التركيز، وثمة احتمال أن تتبعهما الدقة، تلك التي تجعل العمل أكثر جودةّ. وقد حدثت هذه المقدمات بصمت، من دون أن يتنبّه لتأثيرها الجانبي أحد. وتلك كانت كارثة سلوكية مدويّة، ترتّب عليها أن الخلل ضربَ في غير موقع، وعلى أكثر من مستوى، فأثّرَ عميقاً في كامل العمل والإنتاج لدى الفرد والمؤسسة معاً. وطال السلوك والقيم كلها، فدمغها بالسطحيّة وقدر كبير من التفاهة، ليغدو المشهد شبيه: كلما أدمن المرء السرعة والتشتت أكثر، كانت قدرته على التركيز والعمل العميق المُفيد أقل. بل إن ثمة من جزمَ بأن فرص الشخص السريع في تحقيق النجاح في الحياة، تكون أقل بكثير مما يُتوقّع. وممن ذهب هذا المذهب الأميركي «كال نيوبورت» في مؤلفهِ «العمل العميق».
إن في ازدياد نفور الناس من البطء، تخلٍّ واضح عن مكون أساسي في السوية البشرية، وبذلك أصبحوا أقرب إلى أن يكونوا بلهاء، يحتفون بالسطحي الناقص باعتباره كاملاً. وعلى الرغم من علم الجميع بأن «السرعة ربيطة النسيان والبطء لصيق التذكّر» كما لدى ميلان كونديرا في عمله الماتع رواية «البطء» لكنهم ما زالوا يصرّون على التشبث بالسرعة والاستعجال، تشبثهم بأمل النجاة في بحر عاصف، فيما نفورهم المتزايد من البطء لا يوازيه شيء سوى برودة الموت في الغربة!
بعدما أُهمل البطءُ وحكمته، طويلاً وكثيراً، انتقلت لوثة السرعة في جنونها، إلى فئة أعلى من البشر في المجتمع الواحد، واقتصرت على فئتين من الأدعياء، الأولى، أدعياء الفكر والأدب والثقافة. والثانية، بعض أدعياء الأعمال التجارية من الشباب، ممن أطلقوا على أنفسهم «أصحاب المشروعات الابتكارية الواعدة» فأصبح اليوم من المألوف أن يجد المرء نفسه أمام أحد الناس وقد اجتمعت فيه الصفتان معاً: ادّعاء المعرفة والثقافة، وادّعاء النجاح والتميز في الأعمال الابتكارية الواعدة، عبر وثاق لا انفكاك منه. وأمر كهذا يخلّف لدى فناني الحياة، ندبة في القلب، لا تخلو من شفقة ثقيلة، ووجع أقرب ما يكون إلى «وجع الحرير الصاعد من التوت» كما في نص «الحنين» للشاعر درويش. 
لنتخيل شخصاً من عصرنا الراهن، دعيّ الفكر والأدب والثقافة، ولديه دارٌ للطباعة والنشر. وذات يوم يجد في بريده الخاص مخطوط «البحث عن الزمن المفقود» للكاتب والروائي الفرنسي مارسيل بروست. ومع المخطوط رسالة بخط يد بروست، يطلب فيها من الدار، بعد اطلاعها على المخطوط، أن توافق على طباعة المخطوط وتوزيعه. فماذا كان رد دار النشر «العصرية جداً»، والتي ترى أن السرعة هي معيار المشاريع الابتكارية الواعدة؟
الدار وبروست:
 الرسالة التالية لا تخلو من أسلوبية تهكمية لافتة. نقرأ محتواها أولاً: «لمدة طويلة كنت أنام في وقت متأخر. متأخر جداً. كنت أواجه صعوبة في النوم، وحتى لو استطعت النوم مبكراً، إلا أني كنت أستيقظ بعد الغفو مباشرة. وهكذا دواليك، طوال الليل. بمعنى آخر، كنت أعاني نوعاً حاداً من الأرق، لا يمكن لأي ترياق أو مادة مباحة أو محظورة أن تداويه. بعدها جاء يوم تغير فيه كل شيء. ها قد وصل مخطوطكم بصفحاته التي تربو على سبعة آلاف. وكنت أنا المحظوظ الذي قد تمّ اختياره لقراءته». 
بهذه الصيغة جاء الرد من دار الطباعة والنشر على مخطوط كتاب «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، الكتاب الذي عدّهُ النقاد واحداً من أفضل خمسمائة كتاب صدرت في القرن العشرين. هو رد غير مهذب، بل في غاية السوء. إنها السرعة ممزوجة بكثير من الادعاء المعرفي. إنها السرعة وما تفعله عندما تصحبها ثقافة سطحيّة، وفي مجال مهم كمجال صناعة الكتاب والثقافة. نعم، فحينما يتمكن الأدعياء من هذه المجالات، فإن بمقدورهم أن يحدّدوا مصائرنا، ويصمّموا مستقبلنا على مقاسات وعيهم، وطرائق تفكيرهم البائسة، شئنا ذلك أم أبينا. يبدو أنهم فعلوا أكثر من ذلك، وللأسف نجحوا.
في حضرة البطء الجليل، نتمثل الحكمة، والجمال في نفوسنا، ونروي بهدوئه ظمأ أرواحنا العطشى، وننعم بإحدى أهم النعم الُمصطفاة في البطء، وهي هذا الصمت الشفيف، الأشبه بقصيدة حب زرقاء.