كتابة: أليس دوفلي
ترجمة: عبدالرحيم نور الدين

تكمن ميزة هذا النوع من الروايات، في جعلنا أكثر غنى عندما ننتهي من قراءتها. إننا لا نكتفي بقراءة قصة فقط، بل نحفظها. وجملها شبيهة بأبيات شعرية. كأنه شِعر له صدى في الذهن كدقات الطبول. وتحت السطور، تركض الصحراء (إنني أعشق الصحراء، وكلما أحسست ببعض التعب ذهبت إليها لأسترد نشاطي وحيويتي)٭. (إن هبات الريح المجفِّفة لدرجة تجعل شفتيك الملتويتين تتشققان ورموشك التي غزتها حبوب غير ملموسة تبدو وكأنها تنسحب لتكشف عن عينيك المنكمشتين من جراء المعاناة). وهو أيضاً جمال بلد يستمد اسمه من جمال الغزلان ويُلقب بـ «أبوظبي»، وهو يروي حياة رجل، تمكن من الجمع بين الأصالة والحداثة. هذه القصة، هي قصة الشيخ زايد.

في رواية تشبه الحلم، تجمع بين التاريخ الصغير والتاريخ الكبير، يتتبع جيلبرت سينويه حياة المغفور له  الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حفيد زايد الأكبر. وفي مدينة العين، تمتد مدن مترامية الأطراف. نخيل، ومستشفيات، وجامعات، وشوارع. في غضون ثلاثة عقود، حوَّل زايد الرمال إلى فولاذ وذهب أسود: (إن الجيل الجديد يجب أن يعرف كم قاسى الجيل الذي سبقه، لأن ذلك يزيده صلابة وصبراً وجهاداً لمواصلة المسيرة التي بدأها الآباء والأجداد). يقول «أنا أتذكر كل شيء». من كفاح زايد ضد التعصب وعدم التسامح: (التسامح مبدأ لا غنى للإنسان عنه إن كان يعتبر نفسه إنساناً حضارياً)، ولأجل تطوير بلده، سعى إلى «تحقيق المستحيل» من خلال تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يغفل جيلبرت سينويه أي شيء.

فيلسوف على الدوام
من خلال أفكار زايد وصور أولئك الذين عرفوه، ترتسم في الخلفية أسطورة. «هل سيقال عني إنني وطني، قومي، مدافع عن الإسلام، إنساني؟» بالتأكيد هو كل ذلك في الوقت ذاته، ولكن ربما سيميل القارئ أكثر إلى صورة الحكيم، إن لم تكن صورة المنقذ. لأن كتاب «الصقر»، وإن كان رواية وليس سيرة معظمة، فإنه يُقرأ مثل كتاب حكمة. «إننا لا ننتصر على الطبيعة إلا من خلال طاعتها»، «لا تكون السياسة عظيمة إلا عندما تصغي السمع إلى البسطاء».. إنه يعتبر كل اختبار درساً في المثابرة والصداقة: (النجاح يتحقق بالصبر والمثابرة).

لا يغضب أبدا، ودائماً ما يتسم بالحكمة، يظهر الشيخ زايد هنا كأفضل رجل على وجه الأرض. وما يسحر الناس هو دوامه في الصفاء. إنهم يتبعون رجلاً بسيطاً، مخلصاً للإسلام، يحب الصيد بالصقر، ولعب الكرة الطائرة، ومناصراً على الدوام لتعليم الفتيات: (إن المرأة هي المسؤولة الأولى عن الأسرة وتعليمها أسس الحياة، وتثقيفها هو من أهم الأشياء التي يقوم عليها العمل النسائي في الدولة).. ومشاركاً في الشؤون العالمية، بحيث تكون الجغرافيا السياسية قريبة دائماً من الشعرية.
وهكذا على خلفية اكتشاف النفط، نصادف ملكة إنجلترا ووزير الخارجية روبرت شومان والقائد كوستو والعديد من الأشخاص الآخرين.. أكانوا معروفين أو منسيين.
ذلك أن الشيخ زايد لم يكن بمفرده أبداً. ولا ينسى الكاتب التذكير بأسماء النساء والرجال الذين ساهموا في مهمته. نذكر الدكتورة زليخة داود، أول طبيبة هندية تمارس الطب في العين، والدكتورة فراوكه هيرد باي، التي أنشأت أرشيف الإمارات الوطني. كان للشيخ زايد حلم كبير. عبَّر جيلبرت سينويه عنه بالكلمات في كتاب «الصقر». 

المصدر: لوفيغارو، 18 يونيو 2020.٭ أضفنا إلى المقال، بعد وضعها بين أقواس، مقولات للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه»، جاء ذكرها في كتاب «الإرث الخالد، 100 من مقولات باني الإمارات الشيخ زايد، مترجمة بـ 5 لغات عالمية». المترجم.

  • المقال في لوفيغارو
    المقال في لوفيغارو

جيلبرت سينويه.. إضاءة
مؤلف كتاب «الصقر» هو جيلبرت سينويه، روائي فرنسي ولد سنة 1947 في مصر لأسرة مسيحية ذات أصول لبنانية. عاش فترة من حياته في بيروت، وبعد حصوله على الباكالوريا، غادرها إلى فرنسا لدراسة الموسيقى، لكن ولعه بالأدب قاده إلى التخصص في الكتابة الروائية التي برع فيها وسعى إلى جعلها جسراً بين الغرب والشرق. يقول في إحدى المقابلات: (منذ أن بدأت الكتابة، حاولت أن أكون جسراً بين الشرق والغرب، وأن أسلط الضوء على العالم العربي غير المفهوم من الغرب، وكذلك على الحضارة الإسلامية والشرق). ترجمت روايات عديدة من منجزه إلى اللغة العربية، ومنها العناوين التالية: «صمت الآلهة»، «ابن رشد أو كاتب الشيطان»، «صرخة الحجارة»، «أريج الياسمين»، «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»