بقلم جيل براسّنيتزار
ترجمة: أحمد حميدة

عبَرَ رخمانينوف القرن العشرين كنموذج لعازف بيانو ملهم ومتوهّج، رسّخته أعماله (خاصّة الكنشيرتوهات للبيانو) لدى الجمهور العريض، كرمز للرّومنطيقيّة المتدفّقة، ومفخرة للرّوح السّلافيّة، وكوريث للرّومنطيقيّة الرّوسيّة، وحامل مشعلها في أيّامها الأخيرة، كان امتداداً للتّقاليد التي أرساها ريمسكي كرسكوف وتشايكوفسكي، بنصاعة أجراسه وفخامتها، وبشهقاته التي كان - بالكاد - قادراً على كتمانها.

غير أنّ رخمانينوف كان أكثر من ذلك، إذ كان مبدعاً لأيقونات من الثّلج ولجداريّات اليأس، فـ «جزيرة الموتى» وبكائيّاته وسمفونيّاته، تلقي ضوءاً آخر على موسيقاه؛ إذ يخفي ذلك السّيل الجارف من الغنائيّة المسرفة في التّعبيريّة الموسومة بالنّزعة الذّاتيّة، سوداويّة واضحة لموسيقا تدرك بأنّها جاءت متأخّرة.
فمن يستطيع الادّعاء بأنّه سمَعَ رخمانينوف يوماً ما يضحك؟ كجندي زاهد، وبملامح تبدو وكأنها قدّت من الشّمع، وبخدود مخيفة وقصّة شعره العسكريّة، يبدو رخمانينوف وكأنّه تجسيد للتقشّف والانضباط، ولكن لكراهيّة البشر أيضاً، فهذا المبغض للبشر، كان يبدو وكأنّه شخصيّة من شخصيّات دستويفسكي، ألقت بها لعنة السّماء في السّجن.
كان قبل كلّ شيء مؤلّفاً موسيقيّاً عارماً، وقائد أوركسترا لامعاً، وبعد مغادرته روسيا سنة 1917، اختار الطّريق السّهلة، الطريق الملكيّة للعازف الموهوب والمترحّل ليبهر الجميع من حوله، وفي كلّ أنحاء العالم، باستثناء روسيا، ليصبح بفضل قدراته الفارقة في العزف على البيانو، معشوقاً لدى قطاع واسع من أحبّاء الموسيقا الكلاسيكيّة، لقد أضاف الكثير إلى ثقافة البيانو في زمنه، وكانت تآليفه في الكونشيرتو تثير دفقاً عارماً من الأحاسيس.
كان، كرجل حزين وجريح، وفيّاً لالتزاماته كعازف بيانو عبقريّ، ولكن من موسيقاه الحميميّة، كان بالإمكان سماع الأشباح وهي تترنّح، ومشاهدة سرّ الموت الخفيّ بصدد النّهوض، وجزء كبير من أعماله كانت عن رقص الموتى، التي يصرّ بعضهم على عدم سماعها.
مترع بالأسرار، كان يرفض الانتماء لزمنه، ومتقبّضاً على نفسه، وكانت التّنازلات - ثمن الاندماج في المجتمع – لا تعنيه في شيء، فكان يستغرق بكلّيته في تآليفه الغريبة، الباذخة والمحيّرة، المعدّة للأوركسترا.

خبير الصمت
لم يغب الشّتاء البتّة عن مخيّلته ووجدانه، وفي فنّه دأب على صرف كلّ جهده ليجعل الظّاهر المضلّل في أعماله الشّعبيّة، حجاباً بينه وجمهور السّامعين، فكان خبيراً بالصّمت، بفنّ السّخريّة وبالقلب الذي يتمزّق، ولكن كان يدرك أنّ أفضل تربة يمكن أن يدفن فيها نفسه حيّاً، هي التّربة السّاخنة لهتافات الجمهور، فالرّجل العلني كان له اسم وسيرة مزدوجة، رومنطيقيّة وتراجيديّة، ولكن في سرّه كان يضرم النّار في الأشباح، ويرتجف أمام عظمة الخلق، وكان بإمكانه اختيار أسلحته لبعثرة المسالك، وفي هذا السّياق، كان البيانو أفضل أدواته للتّضليل.
كانت «الرّقصات السّمفونيّة»، التي ألّفها في ربيع 1940، بمثابة وصيّة ونشيد وداع لرجل كان يكابد فكرة الموت وهواجس الخلود، وجاءت هذه الرّائعة تأمّلاً في الماضي، يختزل مجمل أعماله، تأمّل موجع، يسري فيه أنين مزعج لموسيقار بلغ السّابعة والستّين وتوقّف عن التّأليف، بعدما استنفد كلّ ما لديه في هذا العمل - الخلاصة، وكانت فلسفة حياته قد قامت على سوداويّة مطلقة، إحساس عارم بالرّحمة وبالثقب الذي أحدثه اللّيل في روحه، كان يدرك بأنّ الأبديّة.. عاصفة، وكلمات سيوران قد يكون هو قائلها، إنّ مهمّتي هي قتل الوقت، ومهمّة الوقت أن يقتلني بدوره، وهكذا فنحن - كقتلة - متساوون، وهذه الحياة الرّهيبة التي علينا تسلّقها، يجعلها رخمانينوف تدوّي في الرّقصات السّمفونيّة.. وهو مقبل على الرّحيل. وينطوي هذا العمل على قدر كبير من الاستسلام والفنّ السّاخر، وعلى إيقاعات عنيفة، وأحياناً كئيبة، واستشهادات دينيّة تمتزج فيها تلميحات كاثوليكيّة وأرثوذكسيّة.
وينهي رخمانينوف هذا العمل بهذه الكلمات: «أشكرك يا اللّه»، كلمات تنمّ عن الخوف والتمرّد، أكثر من أنّها كلمات للطّمأنة، لذلك ندرك الآن لماذا اعتبر رائعته هذه «شرارته الأخيرة».
ويبقى هذا العمل، التّائق إلى الماوراء بيقين متردّد، أجمل ما تركه رخمانينوف من تآليف موسيقيّة، عمل يحمل إرادة صراع من أجل الخلود، ينبثق منه رعب حقيقيّ، يفتح على سماء شاحبة. لقد كتب رخمانينوف بهذا العمل قدرنا الإنسانيّ، وكتب بول فاليري: «بالكاد، تبدو الحياة عجوزاً طاعنة في السنّ أكثر من الموت».. وكان رخمانينوف قد حوّل تلك الكلمات إلى موسيقا.