نوف الموسى (دبي)

أكثر ما يمكن التوقف عنده لدى الفنان النرويجي هوكون أنتون، هو درجة الحساسية والدقة التي يتعاطى بها مع نحت الرخام، خاصةً عندما تحدث عن مستوى كشف الضعف والهشاشة في مادة الرخام، وأن ذلك يعود إلى شفافية هذا الحجر ونقائه، معبراً عن تركيزه الأساسي في أعماله الفنية، على خلق جو وإحساس أكثر من مجرد تمثيل حرفي للأشياء.

قد يتصور البعض أن أعمال هوكون، تغلب عليها الطريقة التقليدية المتعارف عليها في عالم النحت، من خلال تجسيد النواحي الإنسانية المختلفة، إلا أن الأمر بالنسبة له لغة طبيعية للتعبير عن أفكاره. وساهم بحثه الطويل في حالة الصمت والسكون وبساطة المنحوتات، إلى التحول بعدها باتجاه مرحلة الاشتغال على المفاهيم وتعابيرها، مثل «الهشاشة»، ولكن السؤال الفعلي حول ما ينجزه الفنان هوكون أنتون، هو إمكانية دراسة اللحظة التي يتم إيقافها في النحت، مثل الحركة في أعماله الشهيرة «الوسائد» الرخامية. 

  • هوكون أنتون.. النحت باعتباره كشفاً للهشاشة

والقوة الضمنية في أعمال هوكون أنتون، تكمن في تجسيده للحظة قصيرة جداً، قد يتراءى للمشاهد أنه لا يمكن تكرارها، كونها اقتنصت حالة لن تعود، بشكل ما. واللافت أن الفنان هوكون أنتون كان يبحث، طوال عمله على المنحوتات، عن ما يجعلها تبدو لحظة، ومن هنا نستشف أبعاد تركه مجالاً للمصادفة، عندما يعمل مع النموذج أو «الموديل»، وهو بذلك لا يسعى فقط للحصول على اللحظة المناسبة، ولكن ليدرك ما الذي أدى للتماهي مع تجلي اللحظة نفسها. ومن بين أكثر الأعمال النحتية التي جعلته يدرك وللمرة الأولى بوعي فكرة اللحظة، هي نموذج لفتاة تنزل من على الدرج، قدمها في حالة حركة بين درجة وأخرى، كأنها في حالة انتقال بينية بين أمرين، شيئين، مرحلتين، فكرتين. 
إن المرة الأولى التي انجذبت فيها لأعمال الفنان هوكون أنتون، كانت من خلال عمل نحتي لرضيع في وضعية عفوية دقيقة، لا يكتفي فيه هوكون ببيان شكل النموذج ونسب التوزيع فيه، ولكن أيضاً اهتمامه بلغة الجسد التي تؤكد حالة التفرد التي يمتلكها الإنسان من خلال التمويه الجسدي لمشاعره اللحظية، وفي المقابل تحضر منحوتة «الوسائد»، تمثيلاً لافتاً للريش والنعومة. وببساطة يقدم العمل رمزية اللحظة التي تنشأ فيها العلاقة بين الإنسان والوسادة، وكيف أنها قد تكون إحدى أهم اللحظات لتجاربنا الحيّه، تظهر فيها تجاعيد الوسائد دلالة على خطوط الحياة المتفرعة. 
والحال أن الأعمال النحتية قوية في إحداث الاتصال، ليس فقط لرمزيتها التي عادةً ما تثير الوعي عموماً، ولكن أيضاً لانفتاحها على مسألة استشعار التعاطف، أو ما يمكن تسميته بالمشاركة الوجودية، كونها تخلق إحساساً يمرر نفسه إلى المحيط التشاركي، وفي الوقت نفسه فهو قادر في كل تجربة مشاهدة، أن يعطي إحساساً جديداً، اعتماداً على التراكم والتجربة الفردية لكل متلقٍّ ومشارك.