تحمل تفاصيل وجهه بريق ملامح الذّيد القديمة، وأمام عينيه ينبسط المدى وهو يستجلب الصحراء التي كان يذرعها، وتنطلق عينه في فضائها، فلا تتوقّف، إذ تظل ترود ما هو بعيد في منطقة «الذيد»، فهي الحياة، وهي الصحراء، فعلى رمالها وقريباً من شجيراتها التي تغضّنت بالرمال، كان الأب السبعيني عبيد بن غرير الكتبي، وجهاً لوجه مع الأيّام التي شهدت أحلاماً وتمنّيات عاشها الرجل، قبل أن يعيش اليوم ما نعيشه من رخاء. ففي رحلة طويلة على شارع معبّد، كانت رحلة السفر إلى الأسواق لبيع منتج البادية، الذي ظلّت توفّره عناية السماء، وفي رحلة العودة هذه يحلو للكتبي أن يغمض عينيه على كل تلك الذكريات الجميلة.

يقول عبيد بن غرير الكتبي: «إنّ من كان يأتينا ضيفاً نعتبره كأنه مولود في أرضنا؛ فالجميع أهل وإخوة».. وحين يسير في الذكريات يتحدث أنّ الناس كانت تفتقد السيارات؛ فهم «يسيرون رحالة على البوش»، أي على الجِمال،.. أما في معيشتهم فكانوا يصنعون من الليف حبالاً، وكان «الدلو» يقوم بدور كبير في جلب الماء، حيث الطوي، كما كان «السخام» يباع في المدينة، ولهذا، وبالرغم من كل ذلك الحنين عند الكتبي، إلا أنّه سرعان ما يفرح لأنّ هذا الجيل بحمد الله قد تغيرت حياته للأفضل بسبب من نعمة القيادة، والإجراءات التي أدخلها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في شقّ الطرق وإسعاد أهل البدو وتوفير كل سبل الحياة الكريمة. 
كنا نتقاسم التمرة
«كان الناس يتقاسمون التمرة!».. يقول الكتبي: كما كان التواصل بين الجيران والأُسر والأرحام أمراً مهمّاً ولا تجوز الاستهانة به.
وكانت المهن تتوزّع، كما يقول الكتبي، بين المزرعة أو «الحلال»، «البوش» أو الأغنام، أو قطع الحطب، والتجارة بـ«السخام» إلى دبي والشارقة وعجمان والمناطق القريبة، وكان سكان الذيد يبيعون «الذبايح»، فيعودون إلى أهلهم بمستلزمات البيوت من طحين و«عيش» وما شابه ذلك. وحين يتحدث الكتبي عن الزراعة، فإنّ حديثه بالطبع سيتطرق إلى الماء وأهميّة المجرى المائي، لزراعة النخل والذرة والدخن والبصل، ليسير الحديث عن الخوص أو سعف النخل، و«الخطم» و«الرشا»، وكل ذلك بالقياس إلى اليوم يغدو أمراً صعباً، في ظل توفر كل هذه المتطلبات.
أما مصادر الرزق فكانت قليلة، كما يقول الكتبي، وهو يسرد عن قسوة الصّحراء، واعتماد الأهالي على زراعة التمور وبيع الأعلاف وتربية الحلال والإبل، وإتقان صناعة «السخام»، وبيع الصوف والسّمن، في رحلة إلى أسواق الشارقة ودبي.. في ظل حركة بيع وشراء تقتصر آنذاك على التمور والحيوانات، إما مباشرةً عن طريق البائعين من المزارع، أو عبر تصديرها إلى الساحل الغربي (الشارقة - دبي - عجمان).
كانت أحياء الذيد الأربعة الكبيرة: الحصن، والصنم، والوديمة، والسويحات، مجالاً لرحلة يطوّف بها الكتبي وجدانياً، إذ كانت تتكوّن في معظمها من «العُرش»، وحين دب الاستقرار في شرايين المدينة مع بداية قيام الاتحاد، بدأت مرحلة جديدة للمجمعات السكنية والبيوت الشعبية التي بدت معها ملامح الأحياء الشعبية، في ظهور الفلل التي حلت مكان الأحياء القديمة. 
وفي حديث عبيد بن غرير الكتبي عن الحصن والقلعة، كان احترامه واضحاً لحصن الذيد، الذي يعد من أقدم المباني التاريخية في المنطقة، إذ شهد ملامح تأسيس الذيد، لأن تاريخه يعود لمئات السنين، ويتضمن أبراجاً دفاعية كانت تستخدم للدفاع عن المنطقة وحراسة المزارع في تلك الأيام. 
ولا ينسى الكتبي أن يحدثنا عن «شريعة الذيد»، أحد أهم الأفلاج، التي كانت محطة تستريح فيها القوافل وتتزود بالماء والغذاء، إذ كانت نقطة الالتقاء ومكان التزود بالماء والغذاء قبل مواصلة الرحيل، في قوافل متواصلة تذرع أرض الإمارات.
وللماضي عند الكتبي ولدينا جميعاً، رائحة الأصالة والجمال، وللحاضر قوّته المبنيّة على أصالة الماضي، أما المستقبل فالثقة فيه مبنيّةٌ على استعداد الأجيال، ووعيهم الذكي بحكمة الرواد والمؤسسة الثقافية، ودعم الدولة المستمر.