«العلم بلا ضمير، ما هو إلا خراب للروح» عبارة شهيرة لفرنسوا رابلي، مأخوذة من كتابه بانتاغروييل. هذا المفكر الأنواري الذي انتصب ـ عكس أغلب فلاسفة الأنوار ـ كواحد من الشكاك الذين دقوا ناقوس الخطر بخصوص الإيمان المفرط والحماسة الزائدة التي دفعت بعض المفكرين إلى الاعتقاد بأن المعرفة العقلية المحضة، قادرة لوحدها على بلوغ كافة الحقائق، وعلى تأسيس خلاص الإنسان. بدل ذلك، ركز رابلي على محدودية الشرط البشري، وعلى ضرورة فسح المجال للإيمان، مثله في ذلك مثل باسكال. لقد كتب فرانسوا رابلي عبارته المسكوكة هذه، منذ أزيد من خمسة قرون. حقق العلم منذ ذلك الحين إنجازات باهرة، ولكن مع ذلك، فكل هذا التقدم لا يطال سوى الجانب المادي، في حين هناك جوانب عديدة أخرى، يبدو ـ كما يثبت البحث الأنتروبولوجي ـ أنه حتى الإنسان البدائي، كان أفضل منا فيها.

 ما المقصود - هنا - بالضمير بالأخلاقي والخراب الروحي؟ 
 ما كان يقصده رابلي في زمانه بالضمير الأخلاقي، هو الحكمة التي يحصلها المرء من خلال تراكم المعارف لديه، والتي تمكنه من الاعتقاد في كونه يمتلك حقيقة القوانين التي تقوم عليها الطبيعة. نحن - إذن - لن نحمّل المقولة أكثر مما تحتمل، إذا ما ربطناها بالسياق الحاضر. فالضمير الأخلاقي هو ما ننعته اليوم، على سبيل المثال، في مجال البيولوجيا، بإثيقا البيولوجيا la Bioéthique والتي تدل على مجموع المشاكل الأخلاقية التي يطرحها التقدم في التطبيقات البيولوجية والطبية، والتي من شأنها الاصطدام مع القيم الإنسانية العليا، ومع القوانين السياسية والاجتماعية. فحتى وإن لم يحدس رابلي الانزلاقات الخطيرة التي انتهت إليها التكنولوجيا اليوم ـ ما دام أن مفهومه للعلم يحيل على المعرفة بشكل عام، وليس على ما نقصده اليوم من خلال الإشارة لفداحة التطبيقات التكنولوجية ـ إلا أن أفكاره، مع ذلك، تستطيع أن تضيء لنا المآلات الخطيرة، التي سينتهي إليها العلم في عصرنا، سواء الأخطار المرتبطة بالتكنولوجيا النووية، أو الهندسة الجينية، أو كذلك المخاطر الجسيمة التي يقودنا إليها الذكاء الاصطناعي أو غيرها.

فرانكنشتاين حقيقي
 منذ عصر النهضة، نظر إلى العلم على أنه المجال الجديد، الذي ينبغي أن يؤخذ كمالك لناصية الحقيقة، بدل الفلسفة التي تبوأت هذا المنصب منذ اليونان. ولكن مع المنعرجات التي سار فيها التطور التكنولوجي، أصبح لزاماً على العلم نفسه، أن يصبح موضوعاً للمساءلة النقدية. ذلك أن عواقب التطبيقات التكنولوجية، قد تنطوي على أضرار مهلكة للجنس البشري. ينبغي أن نؤكد أن المخاطر التي نتحدث عنها هنا، ليست من قبيل الآثار الجانبية التي يمكن أن ترافق التطبيقات الحسنة، أو النتائج غير المتوقعة التي قد تفاجئ النوايا الطيبة، بل هي مخاطر تولد من رحم طبيعة العلم ذاته، والتي انتهت اليوم - كما هو معروف - إلى تخوم لم يسبق أبداً أن تم التفكير فيها من قبل، لا مع اليونان ولا مع المحدثين. 
 روح من هذه التي ستنهار؟ إنها روح العالم المجرب الذي قد يتحول إلى فرانكنشتاين حقيقي. ولكنها، أيضاً، روح الحضارة برمتها، التي أصبحت من دون جوهر، حيث داست - بلا هوادة - بمداميكها على الغايات الإنسانية النبيلة. فالخراب - إذن - هو ما يتجلى في تكنولوجيا المعلومات، حيث سيادة ثقافة الاختراق/‏‏‏‏ الهاكرز، والويب المظلم، والتجسس والرقابة المطلقة للحريات العامة. هذا دون الحديث عن الديستوبيا التي تقودنا إليها ثورة الجيل الخامس، وتطور الروبوطات والذكاء الاصطناعي. إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالأغذية المعدلة جينياً. كما تتجلى الفرانكنشتاينية - اليوم - في الجشع المفرط الذي يدفع مراكز البحث الطبي، ولوبيات شركات صنع الأدوية، إلى البحث عن رفع أرباحها بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب أرواح الناس. بل حتى الخطر النووي ما يزال قائماً بيننا، وكما يرى عالم الفلك البريطاني المعاصر مارتن ريز في كتابه:«ساعاتنا الأخيرة» فإنه:«من الممكن أن نفكك الأسلحة النووية، ولكن ليس من الممكن إيقاف اختراعها» ص 12. 
 إن المعرفة التي تتقدم إلى الأمام من دون وازع أخلاقي، لا يمكنها أن تجلب للإنسان سوى الخراب. هذه العبارة ذات الرنين الموسيقي الجميل، ها هي ذي تتردد أصداؤها في زمن الحداثة الفائقة. فالمطلوب هو الحفاظ على نوع من المسافة الفاصلة، التي تمكننا من مراجعة وانتقاد ما نقوم به، أي في نهاية المطاف الحفاظ على الجانب الإنساني فينا.  
 لكل هذه الاعتبارات بات من الضروري طرح السؤال، حول الحدود التي يجب أن يتوقف عندها العلم. إذ لا يمكن أن يكون كل شيء مسموحاً به في المختبرات. 
 إن الوضع الكارثي الذي نعيشه، اليوم، جعل البعض يرى أننا مقبلون على انهيار حضاري عام، سواء على المستوى الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو البيئي. ولكن إذا ما تمكنا من تجاوز هذا الخانق التاريخي، فإن حضارة المستقبل ستكون قد تعلمت الدرس جيداً. هذا الدرس الذي يكمن في ضرورة بناء جديد للحضارة تستنهض الروح الإنسانية، حضارة موسعة، لا تقوم فقط على الجانب المادي، بل تحترم الجوانب الأخرى الروحية والقيمية، والتي ظلت مهملة في الحداثة الكلاسيكية.