محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

لا يزال العالم يتذكر بأسى بالغ تاريخ 21 يونيو 2017، حينما أقدمت أيادي التّطرف والإرهاب الظلامية على جريمة تاريخية تمثلت في تدمير جامع النّوري الكبير ومئذنته الحدباء المائلة، أحد أهم الرموز الدينية والتاريخية والثقافية لمدينة الموصل العراقية، وقد أدان المجتمع الدولي هذا التّدمير غير الإنساني للإرث الحضاري، ليجسد بعدها مشهد تدمير الجامع التاريخي صورة محزنة على التكلفة الباهظة للحرب وصناعة الموت، وخطابات الكراهية. بالمقابل وضمن استراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في الحفاظ على التراث وحماية الإرث الثقافي عالمياً لخدمة الإنسانية، تبنّت في 12 مارس 2018 وبناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مشروع إعادة بناء جامع النّوري ومئذنته، بالشراكة مع «اليونسكو» ووزارة الثقافة العراقية، وبالتعاون مع المركز الدّولي لدراسة وصون وترميم الممتلكات الثقافية «إيكروم»، وذلك تزامناً مع احتفالات الدولة بمئوية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، ليكون خير ترجمة لمبادئه الإنسانية في نشر القيم النبيلة، والوقوف إلى جانب الشعوب العربية وشعوب العالم.
ويعتبر هذا المشروع الذي يمتد لخمس سنوات بتكلفة خمسين مليوناً وأربعمائة ألف دولار أميركي، الأضخم من نوعه في جمهورية العراق الشقيقة، وأحد الشواهد على مسيرة رائدة تمضي فيها دولة الإمارات نحو نشر رسالة تسامح وأمل للعالم أجمع، مستعيدة لقيم الإسلام المعتدل.
كما يقدّم المشروع إلى الأشقاء العراقيين وإلى العالم رسالة إيجابية تؤكد قدرة الموصل والعراق على استعادة القيم الوسطية ونشر الانفتاح، بدلاً من التعصب والتّطرف الفكري والديني والثقافي الذي روج له أصحاب خطاب الكراهية.
فيما يعتبر العالم ومؤسساته ذات الصلة هذا المشروع الإماراتي النّوعي في حماية وإحياء وإعادة تأهيل الأيقونات المعمارية التاريخية، ومنها بالطبع جامع النوري، خطوة مؤثرة في مواجهة التطرف، بالمزيد من الأضواء الساطعة التي تكشف وتفضح سوء نوايا الظلاميين واستثمارهم الدين في تحقيق منافع شخصية وادعاءات لا مكان لها في عصر التنوير.

هوية العراق التعدديّة
اليوم ونحن نمرّ بالذكرى الثالثة لتدمير هذا المعلم الكبير الذي يعد ثاني أقدم جامع في الموصل بعد الجامع الأموي، وفي ظل ما نعيشه والعالم من مخاطر جائحة «كورونا»، ومع الاهتمام بمواصلة تنفيذ الاجتماعات ذات الصلة بالمشروع افتراضياً من قبل اللجنة التوجيهية للمشروع من الشركاء الاستراتيجيين، ينظر العالم باحترام إلى الخطوات والجهود المبذولة لصون مكانة وهوية هذه المنارة الدينية البارزة، لا سيما مع انتهاء المرحلة الأولى من البناء والتّرميم في 21 يناير من العام الجاري، بحسب مبادرة «إحياء روح الموصل» الصادرة عن «اليونسكو»، وأطلقت المبادرة في فبراير 2018، حيث تمّ إنجاز مرحلة مهمة على درب التّرميم الكامل والانتهاء من أعمال تثبيت بنية الجامع ومنارة الحدباء اللذين تعرضتا إلى تدمير شبه كامل.
ويشتمل مشروع إعادة بناء وترميم جامع النوري في الموصل على إعادة بناء المسجد وخاصة منارته الحدباء والمباني الملحقة بالمسجد، إضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية اللازمة حول المسجد والحدائق التاريخية، وبناء صرح تذكاري يحوي بقايا المسجد ومساحات ثقافية ومجتمعية وتعليمية لأفراد المجتمع الموصلي الذي يعيش حضارة تمتد إلى سبعة آلاف عام، وذلك انطلاقاً من نهج راسخ أرسى دعائمه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، ولا تزال الإمارات حريصة أشد الحرص على إتمام مشروعها بالكامل، ليس فقط على مستوى إعادة إعمار نصب تاريخي وموقع ديني مهم على مستوى العالم، بل أيضاً على مستوى تقديم برامج تدريبية وداعمة لسبل العيش لأهل الموصل الذين عانوا كثيراً في الأعوام السابقة خلال تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب، حيث تعد الموصل وفق عديد الدراسات الفنية والتاريخية رمزاً حياً لهوية العراق التعددية، إذ كانت ملتقى ثقافات الشرق الأوسط لقرون طويلة، فمن المدن السومرية إلى بابل، ومن سور نينوى إلى طريق الحديد، مثلت المنطقة بوتقة انسجم فيها البشر على اختلاف مشاربهم وأفكارهم، ولطالما كانت هذه المدينة العريقة فخورة بهويتها وتنوعها، والمشروع الحالي بكل ما يحمله من اهتمام ورعاية وجوانب إنسانية هو بمثابة ثناء على شجاعة الموصليين الذين شكلوا بطريقة عفوية درعاً بشرياً لحماية تراثهم المشترك من براثن أعداء السلام والأخوة الإنسانية.
أخيراً، إن الإمارات بتبنيها هذا المشروع الإنساني والثقافي بالدرجة الأولى، تعكس نظرتها إلى مثل هذا المعالم والكنوز التاريخية، باعتبارها موروثاً إنسانياً عالمياً، مواصلة بذلك نهج التسامح والتعايش الإنساني، إذ لم تقف عند مرجعية تلك المواقع وارتباطها الديني، بل تأثيرها الإنساني العظيم، ولعبت الإمارات دوراً ريادياً ولا تزال في مجال صون التراث العالمي، منذ مصادقتها على الانضمام إلى اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 1972.
وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات تطلع في الوقت نفسه، بموازاة جهودها لإعادة بناء جامع النّوري ومئذنته، بإعادة إعمار كنيستين في مدينة الموصل القديمة، وهما كنيسة الطاهرة للسريان الكاثوليك وكنيسة سيدة الساعة للاتين، بغية إحياء التنوع الثقافي الذي تميز به تاريخ الموصل عبر التاريخ، وذلك بناء على اتفاق مع «اليونسكو» في أكتوبر 2019، وهو ما يؤكد انفتاح الإمارات على حوار الأديان بصورة عملية.

تحفة تاريخية نادرة
 يستمد مسجد النوري الكبير اسمه من الخليفة العباسي «نور الدين الزنكي» مؤسس الدولة الزنكية في الموصل، وقد شيّده عام 568 هـ - 1173 م، وعرف بمنارته الحدباء «المائلة» التي تعدّ الأطول في العالم بين مثيلاتها، بالإضافة إلى مدرسته التي عرفت بمدرسة النوري، ويعتبر الجامع تحفة تاريخية نادرة.
ويرجع سبب إنشاء الجامع وقتها إلى معاناة المسلمين في الموصل من ازدحام المصلين في الجامع الأموي، حيث لا يوجد غيره، فرأى نور الدين حاجة أهالي الموصل إلى بناء جامع جديد، ووكّل شيخه معين الدولة عمر بن محمد الملا ببناء الجامع الذي يقع في الجانب الغربي للموصل، أي أن عمره الآن 9 قرون، وأعيد إعماره مرات عدة كان آخرها عام 1944، ويشتهر الجامع بمنارته المحدّبة نحو الشرق بطول 45 متراً، وكانت الجزء الوحيد المتبقي في مكانه، وعادة ما تقرن كلمة الحدباء مع الموصل، وتعد المنارة أحد أبرز آثارها، وقد بنيت المئذنة بسبعة خطوط من الطابوق «الطوب» المزخرف بأشكال هندسية معقدة تصعد نحو القمة بتصميمات كان لها وجود أيضاً في آسيا الوسطى.