فاطمة عطفة (أبوظبي)

رواية «رباط المتنبي» للكاتب المغربي حسن أوريد، جديرة بأكثر من قراءة، وهي مؤثرة كما أنها ممتعة، رغم المقاطع المؤلمة فيها. قبل أن تبدأ أحداث الرواية، أورد الكاتب في الصفحة الأولى من عمله بيتاً للمتنبي: «فلا عبرتْ بي ساعةٌ لا تُعزّني.. ولا حملتني مهجةٌ تقبل الظُّلْما». 
يبدأ الراوي بوصف واقعي واضح: البطل باحث وأستاذ جامعي بكلية العلوم السياسية، يسكن في وسط مدينة الرباط، وقد تجاوز الخمسين من عمره، مقترن بطبيبة (بشرى)، ثم اعترى علاقتهما بعض الفتور، حيث فضلت، إخلاصاً لمرضاها، أن تبقى بالدار البيضاء... هذا ما يقوله الراوي في البداية، (ص:8). 
ويتبين لنا بعد القراءة أن هذا المدخل مفتاح رمزي لأحداث الرواية كلها، حيث يطرق عليه الباب ضيف يدعي أنه أبو الطيب المتنبي، فيستقبله بارتياب وجفاء. وبعد جدال، يؤكد له الضيف قائلاً: «أنا المتنبي، وقد عبرت الأزمنة وطوَّفت الأمكنة لكي أخلو بك...». ويؤكد له الأستاذ الجامعي أنه لم يعد «يؤمن بسحر اللغة ولا بسلطان البلاغة بل بقوة الفكر». وتجري بين الرجلين مجادلات عديدة، ويحاول المضيف إبعاد ضيفه عنه ليتركه في همومه قائلاً له: «زوجتي تعيّرني بالجنون... ويبدو أنك أكثر جنوناً مني»، لكن المتنبي يجيبه شعراً في مواجهة كل مشكلة. وكان لابد أن ينتهي، حرصاً على سلامته من الاعتقال، في مستشفى الأمراض العصبية، حيث يقوم الأستاذ بزيارته، ويتعرف إلى الطبيبة خولة التي تحظى بإعجاب الشاعر، وهنا تثور غيرة الأستاذ. وينتهي القسم الأول من الرواية (ص:192) بعد سلسلة من المناقشات الفكرية، حيث يستشهد الأستاذ بالعديد من الأدباء والمفكرين العرب والغربيين، مثل: المعري وأبي حيان التوحيدي وابن رشد، وكانط وشكسبير ودانتي ومونتيني.. وغيرهم. وينتهي القسم، والأستاذ والمتنبي شخصيتان مختلفان.
ولكننا نعلم في القسم الثاني والأخير أن الأستاذ هو المصاب بالانفصام ويتصور نفسه المتنبي، وذلك لأنه فجع بفقدان زوجته وانتهى إلى هذه الحالة من انهيار قواه العقلية، ولكن الحقيقة في الختام تكشف أن ما يعانيه مشكلة عامة، وهي أكبر من أي مشكلة شخصية أو عائلية.
وهنا نتعرف إلى شخصيتين جديدتين في المشفى تصحبان المتنبي، وتحملان اسمي كافور وابن جني، ويقومان معاً بأداء مشاهد كوميدية مضحكة. ويزداد التوتر الدرامي حدة، حين نعلم أن الماجور (كبير الممرضين) لا يلتزم بوصفات الطبيبة ويعطي الأستاذ حقنة زائدة حتى يبقيه في المحجر، استجابة للجهة التي يرتبط بها سراً خارج المستشفى. وبعد أن اكتشف المرضى أن هناك أوامر خفية لإبقائهم مرضى، ولكي يرتاح المجتمع من شغبهم وشكاواهم، يلوذون بالفرار إلى جزيرة خارج البلاد، وذلك بمعرفة الطبيبة والاتفاق معها خلال إجازة الماجور. وتنتهي الرواية بهذه النتيجة الواضحة: «ستنكشف اللعبة يوماً (لعبة أن هناك مجانين مخدرين، تحت السيطرة).
رواية مدهشة وعميقة الدلالة. وخلاصتها أن الضغوط القاسية والهموم الشخصية والاجتماعية المحيطة بنا من كل جانب هي التي تصيب الإنسان بالانهيار العصبي في زماننا، وقد يكون ادعاء المرض حيلة للهروب. وعنوان الرواية «رباط المتنبي» يؤكد أن البطل مرتبط بالماضي، ويعيش فيه، ولا علاقة له بالحاضر. فعندما جاء الماجور ليحقن الأستاذ، ورفض أن يمد يده ليأخذ الحقنة، قال له: يجب أن تعرف قصتي مع المتنبي. سلبني أعز ما أملك. وسأله الماجور: «وما هو أعز ما تملكه؟» أجاب: «حاضري». وكان جواب الماجور الحاسم: «ولكنك تعيش في الماضي». وهكذا يهرب الإنسان في عصرنا ليلجأ إلى حضن الماضي الآمن، وإن اتهم بالجنون.