إيهاب الملاح (القاهرة)

الناقد والمثقف محمود عبد الشكور ليس ممن يضيقون بالعزلة عموماً، بالنظر إلى أنه ممن يحبون البقاء في البيت لأوقات قد تطول، أي بوصفه «كائناً بيتوتياً»، وبالنظر أيضاً إلى أن هوايته ومهنته، القراءة والكتابة، تتطلبان الهدوء والتركيز اللذين توفرهما أوقات «العزلة»، ولكن «عزلة كورونا الإجبارية» ستكون لها وجوه أخرى.. ستكشف لعبد الشكور «أن الوقت كان مهدوراً في مهمات كثيرة عشوائية قبل الحظر».
سألته مباشرة: كيف يسير يومك في أوقات الحظر الممتدة؟ فأجاب: الآن أستطيع، وبشكل مرتبٍ للغاية، أن أخصص وقتاً أطول بكثير للقراءة، وللمفارقة فقد اقتنيتُ في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في يناير الماضي عدداً ضخماً من الكتب، أكثر مما هو معتاد، وكأنني كنت أتحسب لساعات الحظر الطويلة، القراءة في هذه الظروف ممتدة ومن دون سقف، كما أنها تتم بتركيز أكبر، وبصفاء ذهني أعمق، مقارنة بالأيام العادية، وهكذا أتاحت ظروف العزلة أن أنتهي بسرعة، وباستمتاع، من كتب ضخمة للغاية. في الأيام العادية أقرأ أيضاً، ولكن ليس بهذه الدرجة من التنظيم والثبات، وليس بهذا العدد الكبير من الساعات.
وعن سؤال: ماذا عن الكتابة؟ يجيب: أدهشتني هذه الطاقة المتواصلة على الكتابة، والتي تنوعت بشكل كبير، سواء في ما يتعلق باستكمال كتابات سابقة مؤجلة، أو بكتابة مقالات في النقد السينمائي، وفي النقد الأدبي، أو في كتابة نصوص قصيرة حرة من الصعب تصنيفها، ولكني سعدت بها كثيراً، لأن فيها طابع الطفولة والحنين إلى الماضي، ليس من السهل أبداً أن أكتب بهذا التنوع والتدفق، ولاشك أن عنصراً أساسياً في إنجازها، يكمن في فكرة امتلاك الوقت، وامتلاك التركيز والهدوء، خصوصاً أنني أكتفي بأقل ما يمكن من أخبار كورونا اليومية على الفضائيات، وتقريباً أتابع العناوين فقط لمجرد أن أكون في الصورة، ثم أنتقل إلى برامج خفيفة غنائية، أو لمشاهدة بعض الأفلام في القنوات المتخصصة.
أما عن الوجه الآخر المزعج، إذا كان ثمة وجه مزعج للعزلة، فيقول صاحب «كنت صبياً في السبعينيات»: غنيٌّ عن البيان أننا نذهب إلى المقاهي لكي نتواصل بشكل مباشر بالأساس، ونذهب أيضاً لمشاهدة الأفلام لكي نلتقي ونتناقش قبل وبعد المشاهدة، وهو أمر لا يمكن تعويضه أبداً بالمشاهدة المنزلية الفردية، كما لا يمكن تعويض لقاء المقهى المباشر، بالتحاور عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
العزلة لم تكن مزعجة إلا من هذه الزاوية، فلا شك أنني أفتقد رؤية أصدقائي بشكل مباشر، وأفتقد كذلك مشاهدة الأفلام في دور العرض، كنت ألتقي أصدقاء أعزاء على مقاهي وسط البلد القاهرية المليئة بالصخب والحيوية، وهي ليست لقاءات لـ«الوَنَس» فحسب، ولكنها كانت أيضاً تقترب من الصالون الثقافي، أتأمل مثلاً صورة للقاء يجمعني على المقهى بالناقد الكبير كمال رمزي، ومدير التصوير سعيد شيمي، والروائي إبراهيم عبدالمجيد، هذه اللقاءات تتحول بالفعل إلى منتديات ثقافية، تناقش فيها كل الأفكار، وبعض الكتب الجديدة، بنفس الدرجة التي تسرد فيها أيضاً الذكريات النادرة.