هزاع أبو الريش (أبوظبي)

يواصل الأرشيف الوطني جهوده من أجل إصدار الجزء الثاني من كتاب «ذاكرتهم تاريخنا»، إذ دأب المعنيون في قسم التاريخ الشفاهي ودراسات الأنساب على العمل عن بُعد في هذه المرحلة من أجل إنجاز الجزء الثاني من الكتاب.

ويجمع الجزء الثاني من الكتاب مرويات شفاهية لعددٍ من الشخصيات الملهمة والمؤثرة في صنع التاريخ الإماراتي منذ حقبة الغوص حتى قيام الدولة في 1971. وتعتبر رواياتهم الغنية بالمواقف والذاكرة الحية تكملة للوثائق التاريخية المتنوعة التي يحتفظ بها الأرشيف الوطني، ففي ذاكرة الكنوز البشرية ما يثري ويوثق ذاكرة الوطن ويعمق فهم الأجيال الناشئة بمآثر الآباء والأجداد، وبعادات أبناء الإمارات وتقاليدهم وبمفردات لهجتهم المحلية لتعزز عناصر الانتماء للوطن والولاء لقيادته الحكيمة.

ترسيخ الهوية الوطنية
وأكد الدكتور عبدالله محمد الريسي، مدير عام الأرشيف الوطني، في تصريح خاص لـ «الاتحاد»: أن وجود مثل هذه الإصدارات القيّمة أمر غاية في الأهمية، وإضافة وطنية ورصيد ثقافي يساهم في إثراء التاريخ المحلي. وحين يتبنى الأرشيف الوطني مثل هذه المبادرات في الحفاظ على هذه الذكريات الثمينة، واحتضان تلك التجارب العريقة؛ فهذا بحد ذاته إسهام في ترسيخ الهوية الوطنية، لأنه دائماً في الموروث تتجلى الهوية في أعلى مراتبها وتسمو بقيمة الماضي، وعراقة التاريخ.
وأشار الريسي إلى أن هذا المشروع الذي يعتمد على الذاكرة الشفاهية يأتي استكمالاً لما يقوم به الأرشيف الوطني من الإسهامات التي تصب في خدمة التاريخ الوطني، حيث أن تاريخ الدولة كتب منذ أكثر من 500 سنة، عند وصول البرتغاليين، وفي الأرشيف وثائق مهمة تصل إلى أكثر من 3 ملايين وثيقة، من بينها البريطانية والبرتغالية والهولندية والعديد من الدول التي كان لها دور في المنطقة.

  • «ذاكرتهم تاريخنا».. سَردُ الوطن
    حلي ذهبية كانت تتزين بها المرأة الإماراتية قديماً أرسلت صورها للجنة إعداد الكتاب إحدى الراويات (من المصدر)

عمل مدروس
وتابع الريسي: استكمالاً للجهود المبذولة في أرشفة التاريخ، تم إنجاز هذا المشروع بأكثر من ألف و200 مقابلة مع العديد من كبار السن في جميع إمارات الدولة، وفق خطة مدروسة ومحكمة في طرح الأفكار القيّمة والذكريات التي تسرد على شفاه المعاصرين أصحاب التجربة التي تضفي إلى الإرث الوطني الحافل بالإنجازات الملهمة. مؤكداً أن هذه السلسلة التي تأتي تحت عنوان «ذاكرتهم تاريخنا»، ستكون في كل سنة حاضرة بإصدار يضم مجموعة من الشخصيات التي نستلهم منها التجارب الوطنية، والذكريات التاريخية، متمنين أن تكون تلك الإصدارات خير معين للباحثين والأكاديميين والأجيال القادمة، وأن تكون ضمن المناهج الدراسية في الدولة لتصاحب الطلبة وتكون بالقرب منهم ليجدوا ذواتهم من تاريخ آبائهم وأجدادهم الذين ساهموا في بناء هذه الدولة الأبية، وكانوا مصدراً مهماً في ترسيخ أعمدة هذا الوطن ليظل شامخاً راسخاً بجذوره التاريخية الممتدة.
ويلاقي الأرشيف الوطني تجاوباً كبيراً من قبل الرواة وكبار السن في التعاون عن بُعد من أجل توثيق مقابلاتهم، وهم يعتمدون على تقنيات التواصل الرقمي المتطورة التي تفيد في التواصل وشرح المفردات، وتوضيح كل ما هو غامض للباحث وتوفير الصور والمقتنيات المتعلقة بمواضيع البحث.
ويأتي تعاون الأرشيف الوطني مع الرواة وكبار المواطنين عن بعد، عبر وسائل التواصل تنفيذاً للتدابير الاحترازية الهادفة لتحقيق أعلى مستويات الوقاية من كوفيد-19، واستجابة للتوجيهات الحكومية وتعليمات منظمة الصحة العالمية في مراعاة التباعد الجسدي ولا سيما بما يخصّ   كبار السن وهم الأكثر تعرضاً لخطر الإصابة.
ويعدّ كتاب «ذاكرتهم تاريخنا» أحد أهم إصدارات الأرشيف الوطني وسيضم الجزء الثاني منه ــ كما الجزء الأول ــ عدداً من المقابلات مع الرواة والمعمرين وكبار السن الذين سردوا بعض الحكايات والقصص والمجريات التي تشير إلى الفضائل التي كان المجتمع الإماراتي يتمتع بها.
ويتابع المختصون في قسم التاريخ الشفاهي بالأرشيف الوطني تفريغ التسجيلات الخاصة بالمقابلات، ثم تدوينها بلغة عربية سهلة واضحة، مع الإبقاء على الألفاظ والمصطلحات العامية في مجتمع الإمارات، وشرحها وتفسيرها في حواشي الصفحات. ولما كان التاريخ الشفاهي من المصادر المهمة للأمة التي تُعنى بتاريخها فقد اهتم الأرشيف الوطني بجمعه وحفظه، وتدوينه في إصداراته التي تتيح للباحثين النظر في الأحداث الماضية نظرة عصرية وأن يتمعنوا في معطيات التاريخ ويسلطوا الضوء عليها بشمولية ومصداقية.