يقول الشاعر جون كيتس، في مطلع قصيدته «عن الجُندب والجدجد»: «أبداً، لا يموت شِعر الأرض»، فيوجّه مخيّلةالقُراء إلى رؤية أرض بعيدة، وسماع صوتها وتذوقها ولمَ لا لمسها، إذ يرتكزُ بقية المقطع على أصوات الرّبيع،واحتفال الكائنات بقدومه بسمفونية جميلة، ولطالما استكشف قرّاء الشعر أمكنة بعيدة المنال من خلال القصيدة، ونمت الرغبة في زيارة المكان، والتعرف على جوانية جماله، وذلك بعُبور جسر الشاعر المشيّد بالكلمات، فيستنبطُ قراء الشعر، عبر عيون شعراءٍ يمنحون طاقتهم ووقتهم للمكان، صوراً جميلة للطبيعة والمعالم التاريخية على صفحات الكتب، ونحن نستكشف العمق الساحر والمعالم الباهرة لمكانٍ، ألا يبدو شاعر المكان كمرشد سياحي محترف؟

لعلّ رائد شعر الهايكو ماتسو باشو في القرن السابع عشر، يبقى من أوائل الشعراء الذين امتدحوا المكان في الشعر، فاستجلى العالمُ طيور وورود وأشجار وتضاريس وطقس وتاريخ وثقافة الزّن اليابانية من خلال شعره، وبسبب نجل الساموراي، نمت الرغبة في الرحلة إلى اليابان، وإنهاء العزلة اليابانية التاريخية.
وقد تطورت فكرة ربط الإبداع بالمكان مع الشاعر والكاتب العبقري الإيرلندي أوسكار وايلد، الذي اعتُبر أحد أكثر من احتفى بمدينة الرومانسية باريس، فليس بالضرورة أن تكون ابن البلد لتكتب عنه، ولو أن وايلد قضى معظم حياته في لندن، إلا أنه كان في زيارات متوالية لباريس وعاش أواخر حياته القصيرة هناك، ولا زالت العديد من الأماكن التي ارتادها تذكرهُ مثل: مقهى (Les Deux Magots) والمقبرة حيث يرقُد (Père Lachaise).
وفي أميركا، احتفى شعراء كُثُر بالمناظر الطبيعية والمدن التي تنمو بسرعة، ويظلّ والت ويتمان رائد هذه المواضيع الشعرية، ونجده يحتفي بنهر الشرق في قصيدة «عَبّارة بروكلين» قائلاً:
«أسفلي يرتفعُ المدُّ! لأراك وجهاً لوجهٍ!
يا غيوم الغرب عند شمس النصف ساعّة فلأراك
أيضاً وجهاً لوجهٍ...»
وبينما يسافر العديد من كبار الكتاب عبر العالم بحثاً عن الإلهام، كان ويتمان يجده في محيطه، ففي نص «عبّارة بروكلين»، يستعرض الشاعر الرحلة بالقارب بين أكثر ضفتين شهرة في مدينة نيويورك، عبر نظرة حزينة لرجل من الطبقة العاملة، يركبُ العبّارة من وإلى منزله من مانهاتن إلى بروكلين، فيربط بين المد والجزر وإيقاع يوم العمل، كمشهدين سريعين من تجربة حياة تتكرّر كل يوم بنفس الوتيرة، ولكنه أيضاً يصفُ المعالم السياحية والطبيعية وضجيج الناس وصوت العبّارة. إنّ رحلة إلى التفاحة الكبيرة، مدينة نيويورك كما سماها الصحفي جون فيتزجيرالد، تتطلب قراءة مسبقة في مجمل أعمال الشاعر ويتمان.
وظهرَ شارع «نيفسكي بروسبكت» (Nevsky Prospekt)» بمدينة سانت بطرسبرغ بروسيا كثيراً في الشعر، فمنذ حوالي قرن من الزمان، كان يمكن العثور على مجموعة من الفنانين في الشارع الرئيس للمدينة، تناقش السياسة والأدب في المقاهي، لقد توقف معظمها عن العمل، ولكن، لتلك الأمكنة مرتبة مهيبة في التاريخ الروسي، فاحتفت به الشاعرة آنا أخماتوفا في قصيدة «حكايةُ سانت بطرسبورغ»:
«كان بيتك مشرقاً أكثر من عربة سيركٍ.
حيثُ وقف كيوبيد المُنكسر للحراسةِ
هناك، بقرب مذبح فينوس.
وكانت أغنيتكَ من طيورٍ خارج القفص، 
فيما زَيّنتَ أنت غرفة نومك مثل عريشةٍ».
بهذا المقطع وكغيره، هكذا تعبّر أخماتوفا عن وطنيتها وحب الأرض رغم التوتر والمأساة، وقد ظل المقهى المفضل للشاعرة، التي اختارت ألا تهرب من بلدها، والذي يسمى «الكلب الضال»، يعرض منصّة فنية لأخماتوفا، حيثُ أقامت قراءات شعرية منتظمة، إلى أن أغلقته الحكومة الستالينية بسبب الرقابة والاضطهاد.
وتعد قصائد بابلو نيرودا الشجية والممتعة وحتى المُحزنة من أكثر النصوص التي تدعو إلى التعرف على سحر المكان، ليستكشف القارئ أراضي تكاد تكون منسية، فبمطالعة قصائد نيرودا تنمو الرغبة في زيارة أميركا الجنوبية حيث ترعرع الشاعر، لقد كان كثير السفر عبر العالم، بيْدَ أنه منح لقارته الأم مقعداً خاصاً في قلبه، وقد بدا ذلك الحنين والطوق في معظم شعره، فاستلهمَ واحدة من أشهر قصائده «مرتفعات ماتشو بيتشو»، من رحلته إلى مدينة إنكان القديمة، والتي تقع في أعماق الأدغال البيروفية.
«آنئذٍ، تسلقتُ مرقاة الأرض
عبر الأحراش الملتاعة للأجمّة الضّالة
للارتقاء إليك، يا ماتشو بيتشو».
وتحتفي الشاعرة المعاصرة جوان نافيوك كثيراً، بجسر أرض البيرينغ (Bering Land Bridge) في ألاسكا، فتقول في قصيدتها «تجاوز بيرينغيا»:
«من طبقة أرضية تتمددُ على أخرى
غائصةٌ في جليدٍ، من رماد، عبر بحيراتٍ
ألا تستطيعُ أن تكونَ عيوناً للأرضِ».
وتقدّم نافيوك، المتحدثة باسم سكان الإينويت الأصليين في ألاسكا شعرياً، نظرة ثاقبة حول أهمية الأرض التي نشأت عليها باسطةً جمالها في شِعرها ومحافظة على طلب أسلافها بالاهتمام بالأرض.
وتعدُّ أرض «جسر البيرينغ» منطقةً بركانية، تقع في ألاسكا حيث كانت قارتا أميركا وآسيا مرتبطتين في العصر الجليدي الأخير، عبارة عن متنزه مفصول عن جميع أنظمة الطرق، ولكن، شعر نافيوك يدعو إلى عبور مسالك ومرتفعات متجمدة برية وحقول بركانية مملوءة بالثلج والينابيع المائية، حيث توجد أكبر البحيرات في العالم، للاستمتاع بجمال أرضي فريد. 
وباتّباع كلمات بعض الشعراء، يمكن الحصول على معرفة مسبقة بالمواقع المُلهمة، تلك التي أوجدت الشعر، وتلك التي أوجدها الشعر.