بقدر ما هي بيروت مدينة الكتاب والقراءة والفنّ والثقافة، بقدر ما هي مدينة الحرّية والانفتاح، وبغض النظر عن مكان وجود الكتب، وعن الوقت المُتاح للتعامل معها والاستفادة منها، يبدو أنّ الكثيرين منّا يحبّون الكتب، وينظرون إلى القارئ بعين الوقار. 
بالنسبة للبعض، تُعدّ المكتبة مكاناً هادئاً يضمّ الكثير من الكتب والمواد المرجعية، وبالنسبة إلى البعض الآخر، هي عبارة عن الشوارع الموسومة بالثقافة والقراءة، المفتوحة على التلاقي والنقاش، مثل شارع الحمرا في بيروت الذي لا تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد، لكنّه شكّل عبر تاريخه الحديث، فضاءً حاضناً للثقافة والمثقّفين وللمفكّرين والأكاديميين في لبنان والعالَم العربي، مثل محمود درويش وأدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال، وكثيرين غيرهم لا يزالون يرابطون في هذا الشارع حتى اليوم، فضلاً عن تموقع أبرز الجامعات العريقة فيه، مثل الجامعة الأميركية التي تأسّست سنة 1866 وأكسبت شارع «بلس» تحديداً شهرة ثقافية واسعة.

قديماً وعلى هامش الشارع ورصيفه، نَمَت «دكاكين» صغيرة للكتب، تعرض على أرصفتها كتباً قديمة وحديثة، فضلاً عن المجلات والأفلام والمخطوطات وغيرها. مكتبات رصيفية ارتبطت بذاكرة المدينة ونشاطها الثقافي، واعتادت على أنواع من الزائرين مثل الطلاب والباحثين والشعراء والأدباء، الشغوفين بالكتب والمجلات النادرة، وكنوز الفكر والشعر والأدب التي تُباع هنا على أرصفة الشارع بأسعار زهيدة.
لكن وقبل أن تولد مكتبات شارع الحمرا الرصيفية، كانت منطقة البلد في وسط بيروت، أو ما يُعرف اليوم بـ «سوليدير»، هي مكتبة الناس العامّة، وكان حيّ اللعازارية ساحة للقرّاء والطلاب والمثقّفين، تقع فيه مكتبات الأندلس ولبنان وغيرها، فضلاً عن «البسطات» المتنقّلة للكتب، تفترش الأرض وتحوّل ساحة البرج في أيام العطل والأعياد، إلى مناسبة لمهرجانات القراءة وتحدّياتها.
 لكن بيروت ليست مدينة الكتب الرصيفية بامتياز، على غرار شوارع المتنبي والأزبكية ومراكش وغيرها، بقدر ما هي مدينة المكتبات العريقة التي ازدهرت في مناخ الحرّية السائد والمشهود له في لبنان، ولعبت دوراً طليعياً في توسيع دائرة النقاش والتبادل الثقافي، وتحوّلت بفعل العلاقة الودّية مع زبائنها إلى ملتقى للأساتذة والصحافيين وكبار المثقّفين، وقد اشتهرت أيضاً بكونها مقصداً للباحثين عن كتب لم تعد موجودة في الأسواق.
وخلال الحرب الأهلية التي استمرّت نحو 30 عاماً، بقيت مكتبات الأرصفة ومكتبات الإسمنت في بيروت، مقصداً للمثقّفين العرب وللمستشرقين والمستعربين حول العالَم، ومن أبرزها: مكتبة خياط مقابل الجامعة الأميركية، ومكتبة رأس بيروت، ومكتبة البرج، وأنكل سام، والحياة، والمعرّي، وsold out المخصّصة للكتب والمجلات الأجنبية المُستعملة.
وبفعل الأزمات المتلاحقة التي شهدها هذا البلد، بدأ هذا القطاع منذ التسعينيّات يفقد تدريجياً مكانته، إذ تلاشت شوارع الكتب، وبدأت معظم المكتبات بالاندثار، «ومع كلّ مكتبة تُغلق أبوابها، عالم يُقفَل»، وحدادٌ يقيمه اللبنانيون على مرافق ثقافية تقف على أبواب العجز والتراجع، مثل المسارح، والمهرجانات، ومعارض كتب، والمقاهي الثقافية والتراثية التي أدارت وجهها للمدينة، ورحلت.
لقد كان ذلك كلّه قبل بدء الحديث عن «مولودٍ رقميّ»، وقبل ازدهار معارض الكتب العربية، وربما لم نعد نعتمد في حياتنا كثيراً على المكتبات المبنية من الإسمنت، ولكن حتى في العصر الرقمي، لا نواجه أيّ مشكلة في العثور على عشرات المكتبات المهمّة حتى اليوم في لبنان.
صاحب مكتبة «بيسان» السيد عيسى الأحوش الذي بدأ عمله في هذا المجال منذ العام 1978، حاملاً ما تيسّر في مكتبته السيّارة، لا يزال صامداً وسط موجة التداعي وإقفال 80 بالمئة من مكتبات بيروت، وهو لفت إلى أنّ أرصفة بيروت المكتبية لم تعد موجودة على الإطلاق، اختفت كلّياً من حياة المدينة، وحلّت مكانها بسطات استهلاكية. ورأى أنّ هذه الأسواق أقفلت نتيجة التراجع الدراماتيكي في أسواق القراءة والكتب، وهذه المأساة ليس سببها التطوّر الرقمي طبعاً، وإنّما أزمات العرب الأمنية، خصوصاً الحروب بدول المنطقة التي كانت تضخّ في سوق الكتب الملايين، وتشحن كمّيات هائلة، لكن ذلك كلّه تغيّر.
ويقول الدكتور محمد سراج الذي اعتاد الذهاب إلى مكتبات أرصفة البرج والحمرا، إنّه كان يفخر أمام أصدقائه العَرب القادمين من دول الخليج خصوصاً، بما تمتلكه بيروت من أرصفة مكتبية ومطبوعات نادرة وقيّمة، لكن لبنان فقد قيمة ثقافية مهمّة، بعد أن أعرَض العَرب عن أسواق بيروت تماماً، وتوجّهوا نحوَ أسواق المغرب والعراق ومصر، ولم تعد بيروت تحمل شرف لقبها «عاصمةً للكتاب» ومطبعةً للعرب، وأصبح حاضرها الثقافي حزيناً وموجعاً! 
أخيراً، وفي مبادرة لإحياء المكتبة الرصيفية رصد طلّاب الجامعة الأميركية في بيروت ما تبقّى من مكتبات في محيطهم، وصمّموا «بوستر» يحمل اسم «خريطة مكتبات رأس بيروت وأشباحها»، في إشارة إلى تحوّل المكتبات إلى أماكن فارغة، حاملين مشروع افتتاح مكتبة جديدة تُدعى «برزخ».