د. عزالدين عناية
يدورُ محور كتاب: النقاء والإيمان.. المهجَّرون لأسباب دينيّة في أوروبا الحديثة، للمؤلف نيكولاس تيربسترا، حول متابَعة هواجس النقاوة الدينيّة التي لازمت المجتمعات الأوروبيّة على مدى الفترة الحديثة، فقد تَمثّلَ جمعٌ من الأمراءِ والملوكِ المجتمعات المسيحيةَ جسداً تتهدّده التشوّهات والمخاطر، استوجب تطهيره من سائر ما يعكّر صفوه، مِثْل اليهود والمسلمين والهراطقة والساحرات، وهكذا تحوّلت أوروبا، على مدى قرون، إلى مسرح واسع للطرد الجماعيِّ بدعوى التنقية. 
أطلّت أولى عمليات التهجير مع طرد المسلمين من الأندلس (1492م) نحو بلاد المغرب ليلحق بهم اليهود، ثم اِنفتح باب التهجير واسعاً داخل أوروبا وخارجها، بسبب الحروب والقلاقل التي أَلَمّت بالقارة جرّاء «الإصلاح»، كان ضحايا التهجير في هذه الفترة من المسيحيّين «الهراطقة»، باتجاه العالم الجديد منفى العُصاة. 
يحاول أستاذ التاريخ الحديث في جامعة تورنتو الكندية، نيكولاس تيربسترا، الإلمامَ بتشعّبات تلك الموجات المتعاقِبة، فعلى ما يرصد الباحث مارست الممالك الأوروبية، وبشكلٍ واعٍ، سياسة التهجير على مدى ستّة قرون تقريباً، وذلك منذ الفترة المعروفة بالعصور الوسطى المتأخّرة، اصطبغت فيها السياسات الاجتماعية بمقولة الملك الفرنسي هنري الرابع: «ملك واحد، قانون واحد، إيمان واحد»، وفي ما يذهب إليه تيربسترا سيَتدشّنُ ترسيخُ النقاء مع العام 1492م، بطرد الموريسكيّين من الأندلس، بعد أن وُضِعوا أمام خيار التنصّر أو الرحيل؛ ثم في مرحلة لاحقة مع تحوّلِ أميركا، عقب اكتشافها، إلى ملجأ للمهجَّرين، ستتعزّز الموجة أثناء حقبة «الإصلاح»، لتكتمل بذلك أضلاع المثلّث داخل أوروبا وخارجها، بما سيخلِّف أثراً مهمّاً في مسار التاريخ الحديث.
في خضمّ هذه التحولات، سيمثِّل طردُ الموريسكيّين من الأندلس، من قِبل الملك فرناندو والملكة إيزابيلا (1492)، مثالاً يحتذى به لخلْقِ مجتمعات نقيّة تستند إلى الحقيقة الدينية، مع جملة من الأمراء إبان فترتَيْ «الإصلاح» و«الإصلاح المضاد»، ليغدوَ الفرز حثيثاً داخل المجتمعات المسيحية، فخلال العقد المتراوح بين 1520 و1530م تمّ تهجير «رافضي العماد» (الأناببتيست) من غرب أوروبا إلى شرقها، وبعد العام 1550 توجّب على الكاثوليك مغادرة إنجلترا، زمن الملكة إليزابيت الأولى، وحين اعتلى الكالفينيون السلطة في هولاندا بين 1570 و1580 هَجَر ألوف الكاثوليك البلاد المنخفضة، وفي مملكة قشتالة وحدها، خلال الفترة نفسها، تمّ طردُ ثمانين ألفاً من الموريسكيّين، وبلغ عدد من غادر شبه الجزيرة الإيبيرية من المسلمين بين العاميْن 1609 و1614 ثلاثمئة آلاف، ومن جانب آخر ترك 150 ألفاً من الهوغنوت البروتستانت فرنسا بعد العام 1685م، وهاجر عشرون ألفاً من إمارة سالزبورغ بين العام 1731 و1732، وهي تقريباً آخر موجات التهجير الكبرى لأسباب دينية في الداخل الأوروبي. 
يبرِزُ الكاتب أنّ مصائر الجماعات المهجَّرة، قد دفعت إلى تدنّي التسامح أحياناً، ليغدوَ الضحية صانعاً للضحايا، وهو ما حصل في القارة الأميركية بين الوافدين والأهلِيّين.

  • أوهام النقاء .. والتطهير الجماعيّ
    الموريسكيون يغادرون الأندلس من ميناء بلنسية