حوار: نادية عغسوس
ترجمة: أحمد حميدة

لقد كان صلاح ستيتيّة المتحدّر من جبال لبنان، طيلة حياته الأدبيّة ومسيرته الشّعريّة والفنيّة، مهرّباً، ما بين الشّرق والغرب، للانفعالات والمشاعر، ومتقصياً لا يعتريه الكلل، للكلمات المشحونة بالمعاني، الكلمات التّائقة إلى فك لغز وجود الإنسان في هذا الكون. وستيتيّة الذي غيّبه الموت منذ أيّام، والذي بات يتسنّماليوم، كأديب وشاعر ومترجم وفنّان، مكانة سامقة في المشهد الأدبيّ الفرنسيّ.. بل في الأدب العالميّ المعاصر، لَيظَلفي ذاكرة النقّاد وفي مخيال كلّ المتيّمين بالشّعر، واحداً من أكابر شعراء هذا الزّمن. ونلمس في المحاورة التي تلي دعوة إلى الدّهشة والإثارة عبر كلماته المتوهّجة والمنيرة، كلمات ناصعة تتحدّث عن الطّفولةوالزّمن والهويّة.. وغيرها من مواضيع كثيرة أخرى تسمح ببلورة تصوّره للشّعر وباستكشاف ملامح هذا الشّاعرالذي تلبّسه الشّعر حدّ النّخاع وبات يعرف بشاعر الضفّتين.

  • صلاح ستيتيّة: الشّعر هو جوهر الإبداع عربياً

* نادية عغسوس: لقد نشأت في وسط عائليّ محفّز إلى الثّقافة الشّعريّة وإلى قيم التصوّف الإسلامي، فضلاً عن كونك شاعراً عربيّاً يكتب باللّغة الفرنسيّة. فما سرّ اختياركم لهذه اللّغة وما الدّافع إلى جعلكم إيّاها لغة الإفصاح عن هويّتكم الشّعريّة؟
- صلاح ستيتيّة: لقد نشأت بالفعل في بيئة عربيّة إسلاميّة متجذّرة في اللغة العربيّة، بيئة كان الإسلام فيها حافزاً لإيمان متأصّل في قيم التّسامح، متّسم بالانفتاح، وقائم على تقبّل الآخر. وفي مثل تلك البيئة سرعان ما أدرك والدي جانب التّعقيد الرّوحاني والثّقافي الذي كان يميّز لبنان بطوائفه المتعدّدة والمختلفة، المتقاربة والمتنافرة، وذلك رغم جوانب التّقارب التي كانت تشدّ تلك الطّوائف إلى بعضها بعضاً من حيث الإيمان الرّاسخ بقيمة التّوحيد وبمركزيّة الاعتقاد في الإله الواحد. وقد كانت جدّتي من أمّي سارّة صمادي، الشّديدة التديّن والملتزمة بشكل صارم بقيم الإسلام، وعلى الرّغم من أمّيتها، تغمرني بمحبّة عارمة، وتلقّنني مذ كنت طفلاً وحتّى وفاتها، ما كانت تعتقد أنّه السّبيل الأقوم في الحياة، أي سبيل التّقى ومخافة اللّه. فيما كان والدي مسلماً محافظاً، وأمّي كذلك، غير أنّ أمّي كانت قد نزعت عنها الحجاب في وقت مبكّر. لقد كان والدي، المسلم المحافظ، يمارس دونما شطط شعائره الدّينيّة، فيما كانت أمّي من ناحيتها منتهبة بالكثير من التّساؤلات الوجوديّة. كانت قد أدركت حينها سنّ الهرم، فيما غدوت أنا أميل إلى التّنائي عن كلّ المذاهب وعن كل إيمان طائفي. وكنت أدرك حينها أن لا ضرورة لاستنفار مشاعر اليأس لدى تلك السيّدة العجوز وهي على مشارف الموت. لذا كنت أراني أجيب على تساؤلاتها قائلاً بأنّه لكل منّا علاقته الذاتيّة الخاصّة باللّه، وبأنّ الإسلام على غرار الدّيانات الأخرى أنجب طائفة من كبار المتصوّفة المتيّمين بمحبّة الخالق، وأنّ هذا الدّين كان الأساس في نشأة حضارة من أرقى الحضارات في التّاريخ. كما كنت أطمئنها قائلاً بأنّ اللّه في العقيدة الإبراهيميّة، لا يمكن أن يكون غير إله رحمة وصفح.
مستلهماً قيم العروبة وتعاليم الإسلام كما عرفته زمن الطّفولة، ومستفيداً من معايشتي لشخصيّات فكريّة فذّة من أمثال جاك بيرك وهنري كوربان وجبريال بنّور، وخاصّة المستعرب والمتصوّف البارز لوي ماسّينيون الذي كان لي شرف التتلمذ على يديه، كنت دائم الافتتان بالتصوّف الإسلاميّ وبأعلامه الأمجاد. غير أنّه بحكم مزاولتي التّعليم بالمدرسة اليسوعيّة، وبالنّظر إلى أنّني عشت لفترة طويلة بلبنان ثمّ خارجه في أوساط مخضرمة روحانيّاً، كنت أوثر دائماً لغة الحوار مع كل من خالفني الرّأي والانتماء، يحفزني إلى ذلك تعلّقي الشّديد بالحقيقة، الحقيقة التي تظلّ نسبيّة وحمّالة أوجه. ولعلّه من الصّواب حقّاً اعتباري، وكما أقرّ بذلك الشّاعر أدونيس، شاعراً عربيّاً يكتب باللّغة الفرنسيّة. وكان أدونيس يعني بذلك أنّ أكثر قيم العروبة دلالة ورمزيّة مبثوثة لا محالة في ما كنت أنظم من قصائد وفي التصوّرات والرّؤى الكامنة في تأمّلاتي الشّعريّة. وقد اخترت الكتابة باللّغة الفرنسيّة تحديداً، لأنّها لغة محبّبة لنفسي وأثيرة لديّ، أحببتها وأنا طفل، وازداد تعلّقي بها كلما تنامى وعيي الأدبي والفلسفيّ. واللّغة الفرنسيّة هي فضلاً عن ذلك لغة رائعة لصياغة الشّعر، لأنّها لغة رهيفة، عقلانيّة المبنى، ولابدّ من استفزازها كي نجعلها تشدو. ولكن أي نشيد قد ينبعث منها؟!..

  • صلاح ستيتيّة: الشّعر هو جوهر الإبداع عربياً

الصّيغة الأساسيّة للإبداع
* نادية عغسوس: لقد نشرتم الكثير من البحوث عن الشّعر العربيّ المعاصر، فما هي رؤيتكم للوضع الرّاهن لهذا الجنس الأدبي؟
- صلاح ستيتية: لقد مثّل جيل الخمسينيات جيلاً رياديّاً في تاريخ الأدب العربيّ الحديث، فيه برزت مجموعة من الشّعراء الأعلام، الذين أقرّوا العزم على تدمير الإرث الأكاديميّ للشّعر العربيّ الكلاسّيكيّ (بما في ذلك إرث شوقي وخليل مطران وحافظ إبراهيم وغيرهم)، وكذلك الإرث الرّمزي لموجة التّجديد الشّعري الذي كان يمثّله جبران، ثمّ إلى حدّ ما سعيد عقل. وفيما استلهم التوجّه الأوّل الفكر النّيتشوي، تغذّى التوجّه الثّاني من شعر بول فاليري، وذلك بهدف الدنوّ أكثر من اللّغة ومن الواقع المعاصر. وقد سبق وأن قلت في بحثي «سارقو النّار» الصّادر سنة 1972، بأنّ ذلك الشّعر -الذي كان روّاده الأوائل، بدر شاكر السيّاب، ويوسف الخال وأدونيس ومحمّد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وآخرين- كان ينشد التخلّي عن سماء الميثاليّات البلاغيّة والإرساء على أرض البشر وصفحة التّاريخ، ذلك التّاريخ الذي كانت بصدد تشكيله الأحداث الكبرى لتلك الفترة.
ورغم محبّتي لبعض الشّعراء المعاصرين ممّن يكتبون باللّغة العربيّة، إلاّ أنّهم في نظري لم يقدّموا ما يمكن اعتباره تجديداً جوهريّاً قياساً إلى ما قدّمه أسلافهم. ومع ذلك، ففي العالم العربيّ، حيث تنبثق الرّواية بصورة باهرة وغير متوقّعة كجنس أدبيّ جديد، فإنّ الشّعر يظلّ الصّيغة الأساسيّة للإبداع، الصيغة التي تسمح بتثمين مدى حيويّة أدبنا العربيّ. وتكفي الإشارة هنا إلى القدر الاستثنائي المدهش لمحمود درويش الذي غدا شعره اليوم تجسيداً لإرادة شعب بأكمله.

* نادية عغسوس: إنّكم ترون بأنّ الشّعر هو بمعنى ما «إجابة على سؤال لم يطرح». أفلا يكون لعمل الشّاعر على ضوء هذا التّعريف بعد تنبّئي أو رؤيويّ؟
صلاح ستيتيّة: لقد بحثت عن الأسباب العميقة، المرتبطة أحياناً بلا وعي الإنسان، التي تجعل من الشّعر ومن الصّياغة الشّعريّة، التّجربة الأسمى لبلورة لغة مكثّفة تنشد البلاغة القصوى. وأحياناً ما يسبغ إشراق اللّغة على الشّعر عند العرب بصورة خاصّة بعداً يجعل من هذا الشّعر لغة فوق اللّغة. وكان نبيّ الإسلام حينما تلقّى الوحي «بلسان عربيّ مبين»، قد برّأه الله من أن يكون شاعراً. وقد ذهب القرآن في سياق تبرئته من تلك الدّعوى حدّ تخصيص سورة كاملة للشّعراء، وتصدّت هذه السّورة للشّعراء، لأنّهم ببلاغة مقولهم الشّعري كانوا يبدعون عالماً آخر، عالماً وهميّاً بالأساس، لأنّ اللّغة الإلهيّة وحدها هي اللّغة الحقّة. ولكنّ هاجس التنبّؤ، بالمعنى الإبداعي لا الديني، سيظل مع ذلك حاضراً في مخيال الشّاعر العربي. أفلم يتخيّر أعظم الشّعراء العرب في العهد الكلاسّيكي (القرن العاشر) لقب المتنبّي، أي التّائق إلى «النبوّة»؟