منذ بداياتها، حازت الفنانة البرازيلية لوسيانا سوزا اعترافاً واسع النطاق وإطراءً كبيراً بعد حصدها للكثير من الجوائز الشبابية في بلدها، مما بشر بسطوع نجمة جديدة في سماء الغناء في بلد يقدّس الفن. وقد تحقق توقُّع الكثيرين بعد ترشيحها لعدة مرات لجائزة غرامي (Grammy) العالمية للموسيقى، فنافست ثلّةمن نجوم موسيقى الجاز بأداء متقن ورصين، لتصير أحد أكثر الأصوات تأثيراً بتقنيات صوت عالية ولغة موسيقية فريدة ترتكز على الكلمة العميقة.
شقّت لوسيانا طريقها صوب العالمية بأسلوبها الخاص، إذ اشتغلت على القبض على الكلمة الحية من خلال الشعر، وركّزت على تجاوز الحدود التقليدية للموسيقى، وذلك بالربط بين الموسيقى الجديدة وجذور الأنماط الموسيقية المتعددة في بلدها الأم. و«لقد استطاعت ببراعتها الجمع بين التقليدي والحديث مستخدمة موهبتها الصوتية الفريدة»، كما تحتفي بها الصحافة.

بصوتها الرقيق، يشبّه النقاد لوسيانا بالعصفورة المغردة خارج السرب، فلا تحتاج لجوقة تردد معها الكلمات ولا لتقنيات الصوت الحديثة لتحسينه. وتستطيع تغيير إيقاع ورنّة صوتها منسجمة مع التصعيد المتنوع الذي تحدثه الآلات الموسيقية. بيْدَ أن فن لوسيانا لا يتوقف فقط عند عذوبة الصوت والتوزيع الموسيقي المحترف الذي يشتغل إلى جانبها، بل إن الكلمة العميقة التي تستغور هموم ومشاعر الإنسان بمعاناته وأحلامه وعواطفه وهواجسه، طريقها نحو التميّز في عالم الموسيقى الشاسع.
لوسيانا عاشقة للقراءة، تلتهمُ الشعر وتغوص بين سطوره. ومنذ استهلالها طريق الموسيقى، تعملُ على الاشتغال على الشعر صوتياً. وقد ساعدها في ذلك محيطها الفني، إذ إنها ابنة والتر سانتوس عازف القيثار والملحن المعروف في الموسيقى الشعبية البرازيلية (بوسا نوفا - Bossa Nova) ووالدتها الشاعرة تريزا سوزا.
ازدادت لوسيانا في ساو باولو في عام 1966، وبما أنها ترعرعت في محيطٍ يملؤه الفن، فقد انبثقت حياتها المهنية مبكراً. وأدّت الأغاني للإعلانات التلفزيونية والإذاعية، كما ظهرت في تسجيلات كثيرة مع والدها، بفضل امتلاكه لاستوديو في البيت. تقول لوسيانا: «لم نكن نتوفّر على تلفزيون، وللترفيه، كان والدي يعزف ويغنّي مع والدتي». وهي طفلة، التحقت بالمعهد الموسيقي في مدينتها لتدرس الموسيقى رسمياً. وبعدما قضت أربع سنوات في جامعة «يونيكامب» في البرازيل، التحقت وتخرجت من كلية بيركلي للموسيقى في أميركا عام 1988 بشهادة في تكوين موسيقى الجاز.
وفي عام 1991، كانت الشابة لوسيانا اكتشافَ العام في البرازيل بعد عمل ناجح مع الملحن البرازيلي باسكوال، لتوجّه لها دعوات لحضور عدة مهرجانات في أميركا الجنوبية، ومع نمو رغبتها في احتراف الموسيقى، حصلت على درجة الماجستير من معهد «نيو إنجلاند» للموسيقى سنة 1994، وهناك أيضاً درّست الموسيقى لاحقاً، وبعد سنة من العطاء، حصلت على تكريم بمُسمى: العمل الأكثر تميّزاً للعام في الفنون اللاتينية. وتقول لوسيانا عن غنائها مراوحةً بين لغتين من ثقافتين مختلفتين: «في اللغة حياةٌ، الغناء بالبرتغالية ممتع، وبالإنجليزية أكثر متعة. والجاز يمنح المغني فرصة ارتجال كلمات بجميع لغات العالم».

  • لوسيانا سوزا.. صوت الشعر

الشعر هو الإلهام
أصدرت لوسيانا ألبومها الأول بعنوان «إجابة لصمتك» في عام 1998 من عشر أغان. وقد أعادت صياغة أعمال لفنانين كبار مثل البرازيلي شيكو بواركي ووالدها والأميركي جورج غيرشوين، إلى جانب سبع من أغانيها الخاصة. كما حظيت عروضها الموسيقية بمدح كبير من العديد من النقاد والمهتمين، فسَمَعَ بها وشاهَدَها وقرأَ عنها عُشاق الموسيقى عبر العالم في عدة منابر مهتمة. وسجّلت ألبومها الثاني سنة 2000 مبنياً على غناء قصائد شعرية للشاعرة إليزابيث بيشوب، واحتل عملها المَركز الخامس في قائمة أحسن أغاني الجاز في العام. كما كُرّمت في بلدها لتكون أفضل فنانة في البرازيل عام 2002. وبعد سنة، رُشّحت لأول مرة لجائزة غرامي العالمية، وقد صُنّفت في المرتبة 15. وبعدها، غنّت أشعاراً للشاعر بابلو نيرودا في ألبوم خاص بشاعر البيرو من عشر أغنيات لعشر قصائد. فتقول لوسيانا: «إن الشعر مصدر إلهام لي. أحب أن أقرأ وأنا أسمع الموسيقى، ثم أعمل على تلحين الشعر».
وكان زواجها بالمنتج الموسيقي لاري كلاين بمثابة امتداد لجعل كل ما يحيط بحياتها ذا صلة بالموسيقى. ومع زوجها ومجموعتها الغنائية العالمية، اشتغلت على إعادة غناء ملاحم خالدة في فن الجاز مثل أغنية المغني البرازيلي أنطونيو جوبيم المشهورة «مياه مارس»، وأغنية الأرجنتيني أوسفالدو غوليوف «خطبة المحيط»، كما ارتجلت أغنية «أتفقُ معك للغاية» القديمة للمغني الأميركي هوغي كارمايكل بأسلوب حديثٍ، مع أعمال خاصة غزيرة.
وبعد إشادة كبيرة بهذا الأسلوب الرصين، واعتباره فناً مجدداً يجمع بين الشعر والموسيقى، عملت على قصائد الشاعر والمغني الكندي ليونارد كوهين من مجموعته «كتاب الشّوق»، وتعتبر أغنية «العندليب» أو «أغنيّة الليل» كما جاء عنوانها كقصيدة في الكتاب من أبرز ما غنّته لوسيانا بأسلوب يأخذ بيد الشعر ليضعها في يد الجاز.
قصيدة «أغنية اللّيل»/‏‏ أغنية «العندليب»:
بنيتُ بيْتي قُربَ غابةٍ
لِأستطيعَ سماعكَ تُغنّي،
كانَ ذلك عذباً ولطيفاً جدّاً
وكان كلَّ الحُب في بدايتهِ
إلى أقصى حدٍّ مع عندليبي،
فقد عرفتكَ منذُ زمنٍ بعيدٍ
والآنَ، صارت كل أغانيكَ عن الجمالِ واهنة
فالغابةُ تضيقُ حولكَ،
وتغيبُ الشّمس خلفَ حجابٍ
لكنّكَ لا زِلتَ تُناديني
لأقولَ: أُرقُد في سلامٍ يا عَندليبي
أسفلَ فروعٍ من نبات البَهْشِيّةِ،
فإلى أقصى حدٍّ يا عَندليبي
عشتُ، لكي أكونَ بقربكَ
ولو أنّكَ لا زلتَ تُغنّي في مكانٍ ما
ولمْ يعُد بإمكاني سَماعكَ.
ورغم أدائها لثنائيات رائعة مع مغنين وملحنين كبار مثل والتر بيكر ودونالد فيجن وستينغ وبريان ويلسون ومات موران وغيرهم، إلا أن ذلك لم يوقف أسلوبها الخاص الذي تبنّته منذ البداية، فظلت تشتغل على الإيقاعات البرازيلية وتلحين الشعر من خلال الجاز. وهكذا تنعش ذاكرة عشاق الفن بمفهومه الشاسع بشعراء من الماضي والحاضر.
وأصدرت لوسيانا ألبوم «موجة»، وفي مطلعه أغنية من قصيدة «على الأرض» للشّاعرة الأميركية المعاصرة كارولين فورشي. ولا تزال لوسيانا تدخل الاستوديو وتعود إلى جذورها مع اشتغال هائل على الشعر. وبلحن متماسك، تمنح بعض القصائد الشعرية شكلاً موسيقياً مختلفاً، فغنّت لشاعرات مثل إميلي ديكنسون وكريستينا روسيتي وإدنا سانت فنسنت ميلاي.
قصيدة: «تعوّدنا على الظّلام» لإميلي ديكنسون، غناء لوسيانا سوزا:

تعوّدنا على الظلام
عندما ينطفئُ الضّوءُ
يرفعُ الجار نبراسهُ
ليحضُر وداعهُ

للحظةٍ، خُطوتنا حائرةٌ
بسبب تجدّد اللّيل
وتكيُّف نظرتنا مع الظّلام
ونمشي في الطريق باستقامةٍ

ومن أنواع الظلام الفائق
تلك الأَمْسِيَّةُ في العقل
عندما لا تبدو إشارة لقمرٍ
ولا نجمٌ يتجلى آنذاكَ

والأكثر بسالة من يتحسّسُ طريقهُ
وإن يرتطم بشجرة أحياناً
بضربة مفاجئة في الجبين
لكنه فقط يتعلَّمُ الإبصارَ

إما أن يعتدلَ الظّلام
أو شيء ما في المشهدِ
حتى يتكيّف مع منتصف اللّيل
وتظلَّ خطوات الحياة سويّةً
«الموسيقى لغةٌ عالمية تتجاوز الاختلاف، إنها مكان هادئ لاستبطانِ المشاعر الإنسانية بتأنٍّ». هكذا تعبّرُ لوسيانا عن دور الموسيقى في الحياة. فتستخدم صوتها المثالي كأداة للودّ وصولاً إلى الأحاسيس الدفينة في الإنسان، وتشتغل على الربط الثقافي والاكتساب الشعري مع رغبة تعبيرية متكاملة وتوزيع موسيقي ملتزم وصوت ناعم وكلمة عميقة، وهي التي تقول: «أرى كل قصيدة أغنية، وكل أغنية قصيدة».