محمد عبدالسميع (الشارقة)

توقّع مثقفون وكتّاب عرب أن تزداد مساحة الإبداع الأدبي التي تتناول فكرة الجائحة العالمية «كورونا»، وأكدوا في تصريحات لـ «الاتحاد» أهميّة أن تختمر الفكرة المستلهمة من واقع الناس والمشاهدات اليومية لدى الأديب، تبعاً لمدى قدرته على التقاط الأفكار الكفيلة بأن تصنع له مادةً إبداعيّةً تدوم فنياً في أذهان القراء ووجدانهم. 
كما توقعوا أن تزدهر حقول الدراما والمسرح والسينما المستندة إلى نصوص الكتاب أو المستلهمة من فكرتها، باعتبار الأديب كائناً شديد الحساسية، ولديه آلامه وهواجسه وأحزانه، وربما سخريته أمام هذه الجائحة التي ضغطت عليه على أكثر من صعيدٍ إنساني.

حالة مستفزّة 
يرى الدكتور عبدالعزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث أنّ من الطبيعي أن يتأثّر الأديب بما حوله، خاصةً حين يتعلق الأمر بأزمة عالمية مثل جائحة كورونا، فالأديب مرتبط أشدّ الارتباط بإنسانيّته، وهو كائن مُستفَزّ إبداعياً أمام كلّ ما يمكن أن ينال من هذه الإنسانية، ولا بدّ أنّه خزّن في ذهنه ووجدانه ما يكتبه مستقبلاً، أو أنّه يكتب الآن ما يجري ويعيد إنتاجه بأسلوب أدبي هو راضٍ عنه، لأنّ لديه شروطاً واجبة بالتأكيد في الشعر أو السرد، فالمسألة، كما يرى المسلم، هي في تحقيق أمرين: الأول، تضمين «كورونا» جزءاً أو كلاً في الأعمال التي يبدعها الأديب، والثاني هو مرحلة هضم هذه الثيمة أو الفكرة وإعادة الاشتغال عليها فنيّاً لتدوم في ذاكرة القراء، اعتماداً على ما للأدب من تأثيرٍ وجداني على الذائقة. ولذلك يثق الدكتور المسلم بأنّ الأدباء سيستنفرون أقلامهم إنسانياً، بأساليب إبداعية ساخرة ربما أو واصفة حزينة تنقل في حوار روائي أو شعري شفيف مجريات علقت بذاكرتهم وتأثروا بها في هذه الأزمة التي طالت نفسية الإنسان بشكل عام، فكيف بالشاعر أو الروائي أو الأديب عموماً، والمعروف عنه حساسيّته الشديدة تجاه الإنسانيات، فهو منذور لالتقاط الأفكار المؤثرة وسبّاق في الوصول إليها وصوغها بفرادة وإدهاش، تعبيراً عن مزاجه في الفرح أو المعاناة.
وينظر الشاعر والناقد الإماراتي علي العبدان إلى «كورونا» كمحفّز للأدباء، إن هم التفتوا إلى هذا «الفيروس» إبداعياً، وليس شرطاً أن يكتب الأديب عن هذه الأزمة، فإمّا أن يدخل في دائرة الإرشاد العادي، فيستغني عن جماليات الأدب لصالح الفكرة، أو أنّه يستنهض أدواته المعروفة عنه كأديب فيكتب أو يؤجل الكتابة إلى مرحلة مقبلة، أو لا يكتب مطلقاً، ويرى العبدان أنّ الكتابة بالشعر مثلاً عن هذه الأزمة يجب أن تمسّ الفكرة وتتكئ عليها لثيم أو أفكار أوسع، ففي الشعر الحقيقي لا بدّ من وجود ذات الأديب داخل النص، لأنه ربما يتخذ «كورونا» مبرراً إبداعياً للإبانة عن ذاته الحزينة أو الحائرة أو القلقة، أو حتى السّاخرة من ظواهر معيّنة لها ارتداداتها النفسية عند هذا المبدع، محذّراً من أن يكون الأدباء مهجوسين بالتسابق غير الإبداعي في الكتابة عن الأزمة.

طرح إيجابي
 وتؤكّد الشاعرة الفلسطينية عزة علي قاسم الدور الرئيسي والمهم جداً للمبدع والمثقف والفنان في كيفية طرح الموضوع من الجانب الإبداعي على اختلاف أنواعه، من استخدام للقصه أو الرواية أو الشعر والتمثيل في توضيح الرؤية بشكل جميل ولائق ومقبول وممتع.
ولأنّ الجميع يعاني هذه الأزمة، فإنّها حفزت المفكر والفنان على طرح الجانب الإيجابي منها، رغم أنَّ بعضها قد يكون دراميّاً ومؤلماً وقاسياً إلى حدٍ كبير، على اختلاف الأساليب والطرق، من أدب وشعر وموسيقي ومسرح ومقاطع فيديو وتمثيل، وهو ما يستوجب الطرق والأساليب الجميلة والجيدة والرفيعة.
وتؤكّد الروائيّة المصرية منى العساسي في حديثها عن موضوع إلهام كورونا للمبدعين العرب وغير العرب، أنّ التاريخ يحدثنا عن ذلك بوضوح، ونراه بارزاً وجليّاً في روائع الأدب العالمي، مثل رائعة «الحب في زمن الكوليرا» لغبريال غارسيا ماركيز التي عايشت وباء الكوليرا، وكذلك رواية «الطاعون» لألبير كامو التي عايشت وباء الطاعون. أما رسامو عصر النهضة في إيطاليا فلم يتوانوا عن إبهار العالم بلوحاتهم التي جسّدت الأوبئة التي حلَّت بسماء أوروبا آنذاك، كما في لوحة «المذبح الكبير» لتيتان، ولوحة «الصرخة» للفنان التعبيري إدفارد مونش، و«قبلة العشاق» للرسام النمساوي غوستاف كليمت، وغيرهم، فـ«كورونا»، كما تقول، ليست الوباء الأول الذي يجتاح العالم، مؤكّدةً أنه سيكون ملهماً في كلّ المجالات الإبداعية، لأنّ العالم بعد هذه الجائحة سيكون مختلفاً على كل المستويات، ولذلك فإن نحن نظرنا إلى الجانب المشرق، ربما يخرجنا «كورونا» من زمن اللامعنى الذي تعيشه الكرة الأرضية الآن على كل المستويات، إلى صوغ فن حقيقي يستهدف الإنسانية بدلاً من الطرح المجاني الذي لا يحمل أيّ هدفٍ أو قيمة.

دروس وعِبَر
وترى الشاعرة السورية هيام الملوحي أنّ البعض بمكوثه في البيت، أظهر الإبداع بالكتابة، والتفرّغ للمطالعة، وزيادة المعرفة، مؤكّدةً دور الشّعراء الذين وظفوا أقلامهم للكتابة عن فيروس شغل جميع الدّول والبلدان. وتتوقع الملوحي أنّه، وعند انتهاء أزمة كورونا، سيوجّه المؤلفون والمخرجون مسلسلاتهم لتناول قصص من هذه الأزمة، بما في ذلك من حزن وفقد، معتقدةً بأنّ ذلك درسٌ كبيرٌ لنا لكي نعود إلى قيمنا الإنسانيّة التي شرعها الله.
وتدعو الشاعرة الجزائرية مليكة بن ڨالة إلى استخلاص العبر وصوغها بأسلوب أدبي يؤثر في المتلقي، ويدعم كون الأدب مُعبّراً عن الأحداث الكبرى وقضايا المجتمعات والناس، مدللةً بأنّ هذا الاستلهام كفيلٌ بإبداع الكاتب السينمائي أو كاتب النص المسرحي، على سبيل المثال، لتجسيد إلهام الكاتب وتقديم عمل فني ناضج ويتبلور في حيز التنفيذ.

  • الأدب لن «ينجو» من «كورونا»