محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

نعيش هذه الأيام عزلة تقودنا إلى طرح السؤال حول بلاغة الهشاشة الإنسانية التي نسيناها بسبب تحوّل فكرة تفوّق الإنسان على الطبيعة، وقدرته الهائلة على ترويضها، دون أن يحسب أن زمن «كورونا» وضعنا جميعا في مركب واحد، وأمام امتحان للقيم الجديدة التي صنعناها معا.. نعم إنّه امتحاننا الإنساني والفردي والجماعي، وكيف علينا تجاوزه؟. 

وضعنا هذا التّساؤل أمام الكاتبة والروائية الإماراتية أسماء الزرعوني، التي قالت لـ«الاتحاد»: «في عزلتي تراودني الكثير من الأفكار والتساؤلات حول هذا الزائر غير المرغوب فيه لكرتنا الأرضية، الذي شكّل لحظة تحوّل في منظومة الحياة على جميع مستوياتها، وبخاصة المنظومة الثقافية، صحيح أننا أصبحنا نعتمد كلية على ثقافة العالم الافتراضي، والصحيح أيضاً أننا كتاب قادرون على توظيف هذه اللحظة في استثمار الوقت وإتمام المشاريع الفردية، لكن هذا لا ينفي القلق الوجودي والتساؤلات الكبرى التي تعصف بنا نظراً لما تركه انتشار الفيروس في العالم كله من آثار على شتى ملامح الحياة.
أما بالنسبة لي فهذه العزلة الجميلة منحتني فرصة للمشاركة في الكتاب الإلكتروني الذي صدر مؤخراً عن المكتب الثقافي والإعلامي التابع للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة بعنوان «حديث العزلة»، وهو مؤلف جماعي شاركت في صياغة مادته مجموعة من 23 كاتبة من دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنني حالياً أعمل على إتمام روايتي الجديدة».
في كتاب حديث العزلة هذا، كتبت الزرعوني: «هذه العزلة نبهتنا إلى أشياء كثيرة، فأصبحت لا أملّ من المكوث في البيت وضح النهار، والأطفال أكثر هدوءاً. ألاحظ تسابقهم لعمل شيء مبدع، اكتشفت مواهب كثيرة في صغار العائلة مثل الرّسم، أصبحت أركن هاتفي المتحرك لساعات طويلة، أهرب من جمل القص واللصق والكذب والشتم، بعد أن صارت وسائط التواصل الاجتماعي ساحة حرّة لتلفيق الأخبار والشائعات والضحك على أصحاب العقول الصغيرة». إذاً فقد تغيرت طبيعة الحياة الاجتماعية بسبب العزلة، لكن ماذا عن معنى الكتابة والقراءة، وهل أثرت العزلة على طقوسك الإبداعية؟، 
تجيب الزرعوني على سؤال كهذا قائلة: «نحن من جيل ألِفَ الورق وتنسّم رائحة الكتاب، فعندي كما معظم أبناء جيلي بعض العادات الثابتة، مثلاً ما أشعر به وأنا أقرأ في كتاب ورقي من دفء وألفة، ومع ذلك فأنا ابنة راهني، أستفيد قدر استطاعتي من التكنولوجيا، وحالياً أقرأ ما سجّله ألبير كامو عام 1947 في روايته الشهيرة «الطاعون»، وتساءل فيها عما إذا كان بإمكاننا تصور المعاناة كتجربة مشتركة لا كعبء فردي، وبدا أن مفتاح ذلك هو الاعتراف بعالمية المعاناة». 
وفي معرض ردها على سؤال حول تداعيات ما بعد كورونا وشكل الأدب والإبداع وبخاصة الرواية قالت: بداية لا أعتقد أنّه سيكون هناك أدب يسمى أدب الكورونا، ولكن لا بد أن تصدر كتابات متأثرة بما أحدثته هذه الجائحة من رعب وقلق، ولكن المشهد ليس قاتماً تماماً، صور ومشاهد كثيرة تقول إن هذا الإنسان الخائف الذي يواجه قدراته البيولوجية المحدودة هو نفسه جبّار، شديد، يصنع الحياة وهو في قلب المأساة، فما بالك بالكاتب وبخاصة الروائي، بكل تأكيد ستصدر روايات من نوع النوفيلات - الرواية القصيرة في أثواب جادة رصينة رفيعة المستوى مولودة من رحم الزمن الكوروني، لكنها متفائلة في موضوعة التضامن البشري. 
وعن قراءتها للمشهد الثقافي والإنساني في الإمارات في ظل الراهن، تقول الزرعوني: «في الواقع إن قيادتنا الحكيمة المستشرفة تلعب دوراً نوعياً في توفير المناخ والفضاء الرحب من الأمن والأمان لتواصل الحراك الثقافي بكافة أشكاله، وهنا أستعيد ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «البيت متوحد» وهو بالفعل كذلك الآن، حيث يتكاتف الجميع من مواطنين ومقيمين ومؤسسات ثقافية وذات الصلة ومبدعين من كافة الأجيال في تواصل وتجديد المشهد الثقافي «عن بعد»، تزامناً مع إبقاء شعلة المشاريع الثقافية متقدة». 
أسماء الزرعوني صاحبة قصة «الشيخ زايد شمس لا تغيب» ورواية «شارع المحاكم» وغيرها من الأعمال الإبداعية التي تمكنت من خلالها أن تترك بصمتها في عالم السرد، ترى أن للمثقف في الراهن وظيفة ورسالة في مواجهة التحديات، عليه أن يراقب ويوجّه ويبدي النّصح في إطار خطاب ثقافي عقلاني، يجعل من القوى الناعمة سلاحاً للخلاص من الجائحة بالمحبة والأخوة الإنسانية، فلقد أعاد كورونا إلى الواجهة فكرة المصير البشري المشترك، وعلينا استثمار ذلك في العودة إلى الطبيعة الأم وإلى انتزاع السوبرمان الذي يعشعش في دواخلنا.