ثناء عطوي (بيروت)

صاحب الشذرات المركّزة، والمشروعات التأسيسية التي أغنَت أدب الشرق بترجمات الغَرب، الباحثُ في «صورة الآخر» ومفاهيم «الغَزل العربي»، غرامشي النزعة، وصديق رولان بارت، عالِم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب، مدير «مشروع نقل المعارف» التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار، يقرأ العزلة التي يعيشها عالَمنا اليوم، من منظورٍ يُشبه إلى حدّ بعيد عزلة الطوائف والمذاهب والطبقية الاجتماعية، من دون أن يبتعد عن ربطِ الجائحة بمفاهيم السياسة والثقافة والاجتماع. في حواره الخاص مع «الاتحاد» تحدث عن عديد القضايا الشائكة. 
* بداية سألته: ماذا يعني لك أن تعيش في عزلةٍ إجبارية؟ وهل العزلة هي قيد أمّ حرّية بالنسبة للمثقّف؟
- أنا في بيتي، تنفيذاً لأمر «خلّيك في البيت» الذي لم يسبق للبشرية أن أجمعت على طاعة أمرٍ مثلما أجمعت على طاعته. الخوف جعل عتبات البيوت فاصلاً بين الداخل والخارج، ولكن ما الداخل؟ هو نسيج علاقاتٍ، لها في كل بيت حال من الأحوال. لزوم البيت، جبراً، قد يكون أنساً وقد يكون وحشةً، قد يكون ألماً وقد يكون ترفاً. مَنْ لم يجمع بينهم حبّ الداخل جمع بينهم خوف الخارج. كثيرون لهم ترفُ العودة إلى الذات، يتأمّلونها، كما يقولون، وكثيرون لا يجدون ما يأكلون. من هو منهم في عزلة؟ شخصيّاً، ليس لي أن أتشكّى من عزلة. أفتقد الوجوه، وأمّا الأشياء فليس فيها ما يربك فقدانُه سير حياتي. أن أكون معزولاً، جسدياً عن الخارج، هذا لا يعني أنّي في عزلة.
هذا من وجهة فردانية، ولربّما أنانية. وأمّا من وجهة فكرية، فالعزلة حال من الوحدة أو التفرّد يحتاج إليها الفكر. وسواء كانت مريحة أم مؤلمة فهي في جوهرها، خيار فكري أو وجودي. لا علاقة لها بحجرٍ صحيّ يفرضه فيروس! العزلة، فكرياً، هي تلك التي اعتبرها بعض المفكّرين شرطاً للتفكير والتأمّل، حتى وإن كان البعض الآخر قد كتب أعمالاً كبيرة في المقاهي. نيتشه، مثلاً، كان في عزلة، وقد مرّرها إلى زرادشت. يمكن أن نسمّيها عزلة متعالية. طبعاً، لا أدّعي شيئاً من هذه العزلة ولا أراني قادراً عليها، بل أظنّني لا أتحمّلها.

 سقوط الحشو
* هل غيّر الوباء المستجدّ الكثير بالنسبة إليك أمّ أنك تتعايش مع هذه المرحلة بتناغمٍ وهدوء؟
- تباطأ الزمن ولم أعد أحس بإيقاع توقيته ولا بالفرق بين أيّام أسبوعه. خفّت الروزنامة وسقط منها حشوٌ كثير، من دون حاجة إلى تبرير. المزعج في هذا أنّه إلى أجلٍ غير مسمّى، ولكنّه وسّع وقتي للعائلة ولرائحة الكتب القديمة في مكتبتي. مشيت فوق سطح البيت، أنظر إلى البحر وإلى قرطاج. أحسستُ أنّ العالم، من فوق، أقل ثقلًا. لم أغادر البيت فلِم أعرّض نفسي لمحنة.
أنظر إلى الخارج من ثقب الباب الذي هو الإعلام، فأرى العالم تنفضح وحشيّته. لا أراه يتغيّر بعد كورونا، إلا في حدود ما يسمح لأقويائه بترميم نظام وحشيّته وإكسابه مناعةً أكبر. أنظر إلى خريطة العَرب فأحلم بأن يخرجوا من مختبرات سياساتهم بلقاحٍ ضدّ غيبوبة المصير المشترك. والخارج هو أيضاً مسارات سفري. أراها مقطوعة فأحنّ إلى صداقاتٍ في بيروت والمنامة.

القراءة مراجعة
* كيف انعكست هذه العزلة على نتاجكَ الثقافي عموماً؟
- أنا قليل الكتابة في الأوضاع العادية، ولذلك من غير المنتظر أن يكون للأوضاع الاستثنائية تأثير مهمّ على قلّة الإنتاج هذه. كنت أكملت رواية، أو ما قد يكون رواية، وتهيّأت لتسليمها إلى ناشر، أياماً قليلة قبل فزع كورونا واضطراري إلى مغادرة بيروت. اتّساع الوقت دفعني إلى قراءتها قراءة أخيرة. كتابتها في بيروت وقراءتها في تونس، وفي وضعٍ غير متوقّع، غيّر نظرتي إلى بعض ما فيها. أصبحت القراءة مراجعة. موازاةً لذلك، كتبتُ خواطر، في شكل مقاطع يومية قصيرة، لعلّها الانعكاس المباشر الوحيد لوضع كورونا. ثم إنّي طالعت بنهمٍ كبير لأتدارك ما قصّرت في مطالعته من مكتبتي، أعدتُ قراءة كتب أحببتها منها مثل «تقرير إلى غريكو» للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكس، و«موت فيرجيل» للألماني هرمان بروخ، وكذلك ما شدّني في نصوص إيميل سيوران. لا أدري ما دور كورونا في اختيارها، فهي أعمال كبرى، ولكنّها ليست فرِحة!