الفاهم محمد

كتاب السوسيولوجي الألماني أولريش بيك (1944 ـ 2015)، «مجتمع المخاطر العالمي بحثاً عن العالم المفقود»، ظهر في ترجمته العربية سنة 2013، عن المركز القومي للترجمة بمصر، يرصد فيه كاتبه مجمل الأخطار التي بدأت تهدد البشرية مع نهاية القرن العشرين ومطلع بداية الألفية الثالثة، وهي أخطار كونية لا تهم قطراً بعينه، بل هي تصيب مجمل المعمور، مثل التغيرات المناخية والتهديدات الإرهابية، أو الأزمات الاقتصادية والسياسية، لقد اكتسبت فرضية مجتمع المخاطر جاذبية كبيرة في علم الاجتماع، وأثارت نقاشات فكرية كبيرة حول طبيعة المجتمعات الصناعية الما بعد حداثية.
تم تقديم هذه الأطروحة، لأول مرة، من قبل أولريش بيك سنة 1986، وكان ذلك مزامناً في وقته لكارثة تشيرنوبيل، يعتقد الكاتب أن الأخطار التي نعيشها لا يمكن التنبؤ بها، فالمؤسسات الرسمية للمجتمع الحديث تدعي، عبر العلم والدولة والاقتصاد والجيش، أنها قادرة على توقع الأخطار والسيطرة عليها، غير أن أغلب الأحداث التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أبانت لنا بالملموس حكمة سقراط القديمة، وهي أننا لا نعرف شيئاً، يقول الكاتب: إن «المجتمع العلمي التكنولوجي الذي طالما تميز بالكمال ـ أطلعنا بطريقة ساخرة على الجانب المظلم للأمر، نحن لا نعرف ما لا نعرفه، ومن هنا بالضبط تنشأ الأخطار التي تهدد البشرية» ص 95، ويضيف الكاتب مؤكداً: صحيح أن المجتمعات المعاصرة قد تطورت بشكل كبير، وبلغت مستويات عالية من الإنتاجية ومراكمة الخيرات، غير أن كل هذا كان بالتوازي مع تزايد المخاطر، وانتشارها على نطاق واسع. 

  • مجتمع المخاطر العالمي.. حياة تحت التهديد!
    أولريش بيك

 إن الهيكل العام للطبقة الصناعية التقليدية للمجتمع الحديث ينهار، وهكذا فالعولمة تخلق مخاطر تهم الناس من جميع الطبقات المختلفة؛ على سبيل المثال، النشاط الإشعاعي والتلوث، بل وحتى البطالة، إن الأسر الميسورة تستطيع أن تعمل على عزل نفسها من هذه المخاطر، لكن الشرائح الواسعة من المجتمع لا تستطيع القيام بذلك، على سبيل المثال، بخصوص التغير البيئي العالمي، يعاني الفقراء الكثير من الويلات: مجاعة، نزوح جماعي، فيضانات وحرائق. 
 لكن رغم كل هذه الأخطار يدافع أولريش بيك، عكس العديد من السوسيولوجيين والمفكرين مثل ماكس فيبر وفوكوياما وزغمونت باومان، عن أن الحداثة لديها القدرة على تحويل وتطوير نفسها، وهو ما يسميه بالحداثة الانعكاسية، فالمجتمع الصناعي ليس حالة نهائية من التحديث، إذ أمام المخاطر يتجه إلى إعادة تشكيل نفسه من أجل مواجهتها، ينتقد أولريش بيك بشدة كل هؤلاء المفكرين المنادين بنهاية الحداثة والمعتقدين بأفول الحضارة، بل لا بد من البحث عن حلول عقلانية لها، بدل أن نقف أمامها مكتوفي الأيدي، صحيح أننا في مجتمع المخاطر نضطر إلى أن نعيش في تهديد دائم بالتناقضات السياسية والأزمات الأخلاقية والاجتماعية، لكن هذا لن يمنعنا من ضرورة التفكير في اتخاذ القرارات اللازمة، ولكن كيف ذلك، أي كيف يمكننا الخروج من مجتمع الأخطار وتجاوز أزماته؟ يجيبنا الكاتب بأن هذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا عبر تأسيس ما يطلق عليه «حداثة ثانية» لا نهتم فيها فقط، بالبحث عن المزيد من المعرفة ـ كما هو الحال في الحداثة الأولى ـ بل بضرورة فهم جهلنا وتطوير مجالات دراسية جديدة، ومؤسسات جديدة تعمل على تحليل المخاطر، ومهن جديدة للتعامل معها وإدارتها.