إميل أمين

«خريدة القاهرة.. شيء من سيرة الأماكن والأشخاص».. هذا ليس كتاب تاريخ، ولا كتاب آثار.. هكذا يخبرك المؤلف في مقدمته، صحيح أنك ستقابل الكثير من الوقائع التاريخية الموثقة، والعديد من الإشارات إلى أماكن أثرية، لكن دعني أؤكد لك أن هذا الكتاب لا يهدف بالأساس إلى السرد التاريخي أو الشرح الأثري المتخصص، وبالتالي فلا يمكنك قطعاً، بقراءتك لهذا الكتاب، أن تكوّن صورة كاملة عن فترة تاريخية بعينها، أو عن أثر ما، فلن تجد اهتماماً هنا بذكر التواريخ بالتفصيل أو تقديم معلومات أثرية وافية.
يدهشك أن «حامد محمد حامد»، مؤلف الكتاب هو في الأصل صيدلاني، عشق الكلمة والبحث في الجذور الإنسانية، فدرس علوم الأنثروبولوجيا، ومعها انطلق يتفرس في الوجوه والنفوس، وإذا كنت مهتماً بتصنيف وقولبة ما تقرأه من كتب، فيمكنني أن أريحك فأقول: إن هذا الكتاب يستلهم روح الخطط، أو هذا ما يتمناه المؤلف على الأقل.
عند المؤلف، فإن الخطط هي نوع من الكتابة يعنى أساساً بالجغرافيا التاريخية، وببعض التجاوز يمكن أن نشير إلى أن موضوع الخطط الأساسي هو تاريخ الأماكن.
يلاحظ القارئ، أن حكايات الكتاب ليست مرتبة تاريخياً، فكما أنك لا تجد في القاهرة شارعاً فاطمياً وآخر مملوكياً وثالثاً عثمانياً، فلن تجد كذلك مثل هذا التقسيم في الكتاب، وما ستجده هو تجليات الزمن على المكان الواحد، والخيط الدقيق الذي يجمع شتات الكتاب هو روح الأماكن، ما يعني أن بطل الكتاب الأوحد هو المكان، ولا شيء سوى المكان.
والقارئ أيضاً يلاحظ أنه لا وجود لكثير من الحكايات الشهيرة، مع تجاهل لشخصيات تاريخية، ولفترات كبرى لحساب شخصيات ثانوية وهامشية أحياناً، وهذا بالضبط ما يرمي إليه هذا الكتاب: بعبقرية التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا نرى التاريخ والأماكن بعين جديدة، على أن سؤالاً بعينه يطل من نافذة الأحداث: «ما معنى عنوان الكتاب، وماذا تفيد كلمة خريدة؟
يغازل المؤلف عقل القارئ بالقول: الواقع أنه يمكنني أن أصطنع الدروشة فأقول: إن الولي الصالح الشيخ أحمد الدردير – والذي ترد سيرته في الكتاب – قد أفاض علي من بركاته، وألهمني هذا الاسم، وأنا في رحاب مقامه، تيمناً بأرجوزته الشهيرة «الخريدة في علم التوحيد».
 غير أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، إذ لم يجد الكاتب وصفاً أصدق ولا أدق لروح القاهرة من كونها «خريدة»، أي لؤلؤة مكنونة، فالعاصمة لا تبوح بكل أسرارها أبداً، مهما بدا لك ذلك، وقاهرة اليوم بكل قسوتها وصعوبتها الظاهرة هي مدينة لا يمكن أن نحملها على محمل الجد أبداً، ودائماً ما تخفي في أعماقها خريدة مدهشة، تنتظر فقط من يصل إليها ويكشف عنها.
حين تقرأ الكتاب، فأنت تطوف بالقاهرة في كل عصورها، من عند: «قرقماس»... جبل الأهرام الذليل، وجامع سيدنا الفاكهاني، وقيسارية البطل الأشقر، وزاوية الموسيقار الحنبلي، ومسجد السلطان المتحول أبو العلا، ثم يصحبك المؤلف إلى قبة السلطان حسن المبتهل، ويتنقل بك في حوش مدرسة الغوري، ومحرقة الصالحية، مع التوقف عند تكية الرفاعية، وربما ينعطف بك لتتناول السحور في سبيل «أودة باشي»، وتستقي شراباً طهوراً من سبيل ماء على روح ابن الباشا، إنها القاهرة لؤلؤة مصر وكل عصر.