إبراهيم الملا (الشارقة)

عرضت مؤسسة الشارقة للفنون على موقعها الإلكتروني، مساء أمس الأول، فيلم (العرّابة المدفونة) الذي قدمته بجزئيه الأول والثاني لجمهور المنصات الافتراضية، ضمن مبادراتها لبث برنامج الأفلام التابع لها على الإنترنت، وباعتبار الفيلم بجزئيه أحد المشاريع الفنية الطموحة للمؤسسة، حيث يمثّل فيلما العرابة المدفونة 1 (2012)، والعرابة المدفونة 2 (2013)، أول جزأين من ثلاثية بنفس العنوان، من أجل المزج بين النص الأدبي والتصور الفني لهذا النص، ضمن مناخ تتجسد فيه الواقعية السحرية المستوحاة من كتابات الأديب المصري الراحل محمد مستجاب، ( 1938 - 2005) الذي تميزت أعماله بالاستخدام الراقي لمفردات اللغة، وصياغة إبداعاته بأسلوب يتداخل فيه الحلم مع الأسطورة، ضمن إطار جاذب للقارئ ومفعم بشخوص ميتافيزيقية، تنبعث من منابع المخيلة الشعبية. 
يستند الفيلم المصوّر باللونين المحايدين الأبيض والأسود، إلى قصة واقعية حدثت في الريف المصري، وبالتحديد في قرية العرابة المدفونة، الواقعة بالقرب من مدينة أبيدوس الأثرية، إحدى أقدم المدن في صعيد مصر، وتمت صياغة العمل السينمائي روائياً ضمن قالب سردي مدهش، وضمن نسق بصري يتعانق مع البلاغة اللغوية والتوصيفية التي أبدع «مستجاب» في نحتها، وضخها بخيالات خصبة تجوس في أدغال الحكاية المحلية والحميمية، بتشعباتها المتنوعة على صعيد الحبكة المرنة، والمتسلّلة إلى الذهنية الشعبية في تعاطيها مع الخرافة بأصدائها البعيدة في الذاكرة، وبظلالها المترامية الأطراف، وسط عوالم ضاربة في القدم ونابضة بحضورها المتوارث عبر الأجيال، ويستعين المخرج بقصص متنوعة قدمها محمد مستجاب، مثل «الفرسان يعشقون الطيور» و«القربان».
وكما تذكر مدونة مؤسسة الشارقة للفنون، فإن المخرج وائل شوقي عكس في الفيلم انشغاله الطويل بتوظيف الأدب والتاريخ الحاضرين في الثقافة العربية، في تكوين أنماط جديدة من الفن الأدائي والسينمائي، ويضع على طاولة الحوار تاريخاً حقيقياً تارة، وخيالياً تارة أخرى، في جو من السردية التحفيزية التي تطرح أسئلة تتأرجح بين الحقيقة والخيال.
وبدا المخرج في الفيلم وكأنه يجسّد دور الحكواتي الموازي، الذي يستخلص جوهر الحكاية التي يقدمها هنا مجموعة من الأطفال الذين يمثلّون دور الرواة المتعددين، والذين ينقلون ملامح السرد المتواطئ مع غرابة الأحداث، ومع أبطالها الخارجين للتوّ من عمق الأسطورة، ومن ملابساتها العصيّة على القبض والمعاينة والتشخيص.
اعتمد الفيلم بجزئيه على المواقع الريفية الطبيعية بما تحتويه من غموض تحيط به أصوات انهمار المياه، وحفيف الأشجار، وعواء العتمة، والصمت الكثيف الذي يخدش العين، وتنتهي الحكاية على تأكيد الراوي الأخير أن القرية بكاملها قد اختفت، وصارت مجرد بقعة سوداء تخلو تماماً من القباب والبيوت، وعندما يخطو الغريب على أرضها، يمكن أن يسمع تحت الأرض أصوات مواء ونقيق لا يمكن إغفالها.
وكأن الأسطورة ما زالت نابضة، وما زالت الحالة الميتافيزيقية في القرية بحاجة لمن ينبش فيها مجدداً لاكتشاف كنوزها وحكاياتها المنسيّة.