عز الدين بوركة

كما شكلت اللغة العربية اللسان الرابط بين الجغرافيات التي اتحدت تحت راية العالم الإسلامي، رغم تباعد المسافات وتعدد وتنوع الشعوب المندرجة تحتها، فإن الطابع الفني الحامل لهذه الهوية، الإسلامية، قد شكل رابطاً مهماً بين سكان جغرافيات العالم الإسلامي. ولأن الحضارة تنبني في أساسها على المعمار كأحد روافدها المهمة والمتعددة، فإن فن الحضارة الإسلامية وجد في المعمار أرضاً خصبةً لاستنبات إبداعاته. بل إن المعمار الإسلامي متحد والفكر والعقيدة الإسلامية، ومجسد للوحدانية، كما هو بارز في تصاميم المساجد، ومجسد للروحانية الدينية والتي يخلقها الفضاء المنير الذي يسمح لولوج الضوء من كل الجوانب، فالمسجد هو «بيت الله» للعبادة والخشوع والتقرب إليه، لهذا كان ولابد من أن تشكل الآيات القرآنية الحاضرة عبر الزخارف الكتابية على جُلّ الجدارن والأسقف، تأكيداً للعقيدة وترسيخاً لمفهوم التنزيل السماوي للقرآن.
لقد اهتم الفن الإسلامي بالتجريد أكثر من التشخيص. إذ إن التجريد يخدم الطابع الروحاني بالنسبة لهذا الفن أكثر من التصوير، إنه تجسيد للمرئي المتعالي عن إدراك الإنسان؛ فحسب تعبير الفنان الهولندي فان دوسبيرغ: «لا يتضمن (أي الفن التجريدي) أيَّ  تذكير بالواقع المرئي، أو أي إشارة إليه، سواء أكان هذا الواقع منطلقاً للفنان، أو لم يكن...». 

  • روحانيّة الفن الإسلامي
    من لوحات الفنانة زينب السجيني

اتجه الفن التجريدي إذن، إلى اللامرئي، ‬أو ‬بمعنى ‬آخر ‬إلى ‬ما ‬هو ‬روحاني، ‬كما ‬يقول ‬كاندانسكي. ‬ومن ‬ناحية ‬أخرى، ‬فقد ‬أهمل ‬الفن ‬الإسلامي ‬قواعد ‬المنظور ‬عن ‬قصد ‬في ‬المنمنمات، ‬وغيرها ‬من ‬الأعمال ‬التي ‬حملت ‬تصويراً ‬وتشخيصاً، ‬إذ ‬لم ‬يكن ‬يؤمن ‬بالواقعية ‬إلا ‬من ‬حيث ‬الضرورة ‬الملحة ‬لرسم ‬تخطيطات ‬علمية، ‬كما ‬هو ‬الحال ‬في ‬كتاب «‬الحشائش ‬والعقاقير ‬الطبية»‬. ‬كما ‬‬أغفل ‬استخدام ‬الظل، ‬تفادياً ‬لكل ‬تجسيد ‬ممكن ‬للصورة ‬الإنسانية ‬والحيوانية... ‬فالجانب ‬اللامرئي، ‬الروحاني، ‬هو ‬الأهم ‬لا ‬الجانب ‬الواقعي. ‬فقد ‬اعتنى ‬هذا ‬الفن ‬بالروح ‬الخالدة، ‬لا ‬بالجسد ‬الفاني.
إن كان الفن الإسلامي هو فن تجريدي في طابعه، فالأمر عائد لكون الحضارة العربية-الإسلامية هي حضارة العلامة بامتياز، والتي نجدها متجسدة في فن الخط الذي أبدع فيه الفنان العربي أيّما إبداع. لهذا يذهب السوسيولوجي الراحل، عبد الكبير الخطيبي في (الفن ‬العربي ‬المعاصر: ‬مقدمات، ‬ترجمة ‬فريد ‬الزاهي، ‬منشورات ‬عكاظ، ‬2003) للقول بأن هذه التجريدية نابعة من حضارة للعلامة، حيث ظل الكتاب، بخطه وقوته الزخرفية، المعبد الكتابي الذي يمنح لكل معاينة visualisation ‬أخرى ‬معناها ‬الفعلي؛ ‬وهي ‬بأشكالها ‬الخالصة ‬والهندسية، ‬ليس ‬لها ‬نفس ‬التاريخ ‬ولا ‬نفس ‬التأليف ‬الجمالي ‬الذي ‬يتميز ‬به ‬الفن ‬التجريدي ‬الغربي. ‬فالنظر ‬إلى ‬العالم «‬بعيون» ‬الكتاب ‬والتوريق، ‬يفترض ‬فكراً ‬متوحداً ‬مع ‬تلك ‬الرغبة ‬في ‬الخلود. ‬
وقد ‬كتب ‬بول ‬فاليري، ‬هو ‬الذي ‬تأمل ‬في ‬الحضارات ‬وموتها، ‬ما ‬يلي ‬عن ‬الفن ‬العربي ‬الإسلامي: «‬إن ‬المخيلة ‬الاستنباطية ‬الأكثر ‬تحرراً، ‬والتي ‬واءمت ‬بشكل ‬باهر ‬بين ‬الصرامة ‬الجبرية ‬ومبادئ ‬الإسلام ‬التي ‬تحرم ‬دينياً ‬كل ‬بحث ‬عن ‬محاكاة ‬الكائنات ‬في ‬النظام ‬التشكيلي، ‬هي ‬التي ‬ابتكرت ‬التوريق. ‬وأنا ‬أحب ‬هذا ‬التحريم. ‬فهو ‬يجرد ‬الفن ‬من ‬عبادة ‬الأصنام، ‬ومن ‬الخيالات ‬الزائفة ‬والحكي ‬والاعتقاد ‬الساذج ‬ومحاكاة ‬الطبيعة ‬والحياة، ‬أي ‬من ‬كل ‬ما ‬ليس ‬خالصاً ‬ومن ‬كل ‬ما ‬لا ‬يكون ‬خصباً ‬بذاته، ‬بحيث ‬إنه ‬يطور ‬مصادره ‬الباطنية، ‬ويكتشف ‬بذاته ‬حدوده ‬الخاصة، ‬ساعياً ‬إلى ‬بناء ‬نسق ‬من ‬الأشكال ‬يكون ‬مستنبطاً ‬فقط ‬من ‬الضرورة ‬والحرية ‬الواقعيين ‬التي ‬يقوم ‬بإعمالهما»‬.
لقد امتد الفن الإسلامي ليتحد وحياة الفرد المسلم، ناقلاً الجانب الروحاني إلى التمظهر في كل الأشكال الحياتية واليومية، في الخزف والنسيج وفنون الأثاث والخط، وبالخصوص في العمارة الدينية والمدنية والحربية وغيرها.