عز الدين بوركة
صدر مؤخراً بلغة الضاد، كتاب «في اليقين» للفيلسوف الألماني لودفيغ فتغنشتاين (1889-1951)، وهو أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، وأكثرهم تأثيراً على كل من «الوضعانية المنطقية وفلسفة التحليل»، إذ أحدثت كتاباته ثورة في فلسفة ما بعد الحربين العالميتين على جل المستويات، صدر الكتاب عن ترجمة محكمة للمترجم الأردني مروان محمود، عن دار الرافدين، 2019-2020، ويعدّ هذا المنجز من المؤلفات التي كانت جزءاً هاماً من عملية التغير الفكري السريع الذي شهده القرن الماضي.
إنه من أهم وأصعب كتب هذا الفيلسوف التحليلي، إذ تتسم لغة صاحبه بالبلاغة الغاصة بالمعاني والمفارقات، ما يجعلها صعبة التفكيك والترجمة أحياناً، وقد وضع فيه خلاصة فكره وفلسفته، التي بناها على طول عقود من البحث والتنقيب، عميقاً في بنيات اللغة والفكر الإنساني، وقد دوّن هذه الشذرات الفلسفية في آخر أيام حياته، وهذا ما يجعل منه كتاباً ذا قيمة، من حيث إنه يُقدّم للقراء والباحثين عصارة ما توصل إليه الفيلسوف.
وبلا شك، فإن فتغنشتاين واحد من عظماء الفلاسفة في القرن العشرين، إذ إن مساهماته في نظرية المعرفة تعد الأهم منذ «النقد العقل الخالص» لكانط، وإن كانت طريقة ديكارت المنهجية هي إخضاع كل شيء للشك، حتى تصل إلى صخرة اليقين الصلبة التي لا تُقهر. إلا أن فتغنشتاين سيذهب إلى القول بأن صياغة الشك تفترض «اليقين»، وبالتالي، فإن اليقين الأساسي لدينا لا يشكل نقطة وصول، بل هو نقطة البداية الضرورية التي لا لُبس فيها لفكرنا وفعلنا في العالم؛ لكنهما ليسا موضوع المعرفة، بل أساسه، ما يجعل من هذه الرؤية التي جاء بها فتغنشتاين تستجيب إلى الاهتمام المتزايد باليقين في سياق العالم ما بعد الحربين، ففلسفته نابعة من صلب الحياة، وكما البعد والمعاناة الإنسانييْن، يقول: «لكن كيف أكون فيلسوفاً ومنطقياً قبل أن أكون إنساناً؟».
إذن، ففلسفة فتغنشتاين في هذا المؤلف، الذي يبدأ كما ينتهي، بلا بداية ولا نهاية، نابعة من صلب الحياة ومعاناتها، من الإنساني العادي، لهذا يضرب عرض الحائط مجموعة من المذاهب الفلسفية في كتابه هذا، كالشكية والمثالية، التي وصفها بأنها «عديمة المعنى وغير مفهومة»، لقد جعله مرض السرطان الذي أفقده الحياة، ألا يرتب شذرات وتفاصيل كتابه هذا وألا ينهيه، ما يجعل منه كتاباً مفتوحاً، منجزاً في طور الإنجاز الدائم، يدخله القارئ في حيرة، ويخرج بحيرة أكبر عنوانها «اليقين».
يستخدم فتغنشتاين في «مؤلفه» هذا، وفقاً لطريقة استخدمها في أعماله السابقة، أسلوب «الحِكَمِ» والأمثولات، حوالي 676 أمثولة، متفاوتة الطول...ليصل القارئ إلى هدف الفيلسوف المنشود.

«هل سأقول إن اليقين يكمن في طبيعة لَعِبِ اللغة؟»، هذا هو السؤال الأساسي في المؤلف، إذ ليست هناك مقترحات حقيقية بالمطلق، وأخرى خاطئة بالمطلق، (فاللغة حمالة أوجه). وبما أنه، حسب فتغنشتاين، اللغة (وألعابها) وسيلة للمعرفة فاليقين يكمن فيها، فالحقيقة تبنى في اللغة، وحدود معرفتنا في حدود لغتنا، فاللغة وجدت لتكوين الواقع والعالم، لهذا يدعو إلى إصلاحها عبر «المنطق»، وسيكولوجيا المنطق، للتخلص من سوء الفهم.

  • «في اليقين».. البحث في بنيات اللغة والفكر الإنساني