أبوظبي (الاتحاد)

أصدر مشروع «كلمة» للترجمة في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، الطبعة الثانية من كتاب «الموت الأسود» للكاتب جوزيف بيرن، والذي ترجمه إلى العربية عمر الأيوبي. تأتي الطبعة الثانية من الكتاب، بالتزامن مع مواجهة العالم لفيروس كورونا المستجد (كوفيدـ 19)، بهدف إتاحة الفرصة للقارئ للاطلاع على أهم الأوبئة التي واجهت المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، وأودت بحياة الملايين من البشر خلال فترة زمنية قصيرة، وفي مقدمتها وباء الطاعون أو «الموت الأسود»، الذي يعد من أخطر الأوبئة التي اجتاحت العالم، وأحدثت تغييرات جذرية في نمط الحياة اليومية، وتكشفت بعد هزيمته معانٍ وقيم وأفكار وأنماط مختلفة للحياة الإنسانية.
يعرض كتاب «الموت الأسود» ظاهرة الطاعون، بحسب الموضوعات بالتركيز على الأماكن التي عاش فيها الناس، في البيت، والكنيسة والمقبرة، والقرية، ومشافي الطاعون، والشوارع والطرقات، حيث لم تكن الحياة اليومية في أثناء تفشي الطاعون، طبيعية البتة، فطوال القرون الثلاثة والنصف التي شكّلت ما يعرف بالجائحة الثانية للطاعون الدبلي، تعرّضت أوروبا لهجمات الأوبئة المنتظمة، التي بات فيها الفتك والقتل دون هوادة.
وعندما يضرب الطاعون مجتمعاً ما، تنقلب جميع جوانب الحياة رأساً على عقب، من العلاقات داخل الأسر إلى الهيكل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فتضطرب الأسواق، وتفرغ المسارح، وتمتلئ المقابر، ويحكم الشوارع حملة الجثث المخيفون الذين يُسمع صرير عرباتهم ليل نهار.
وفي زمن الطاعون، ظهرت أعظم البطولات وأسوأ سلوك إنساني على الإطلاق، ومع ذلك استمرت الحضارة الغربية لتشهد عصر النهضة، والإصلاح الديني، والثورة العلمية، وبداية عصر التنوير.
في هذا الكتاب، يجْمِل جوزيف بيرن مسار الجائحة الثانية، وأسباب الطاعون الدبلي وطبيعته، ووجهة النظر التنقيبية حيال حقيقة الموت الأسود، ويقود القارئ إلى صفوف كليات الطب التي تدرّس فيها النظريات الخاطئة بشأن الطاعون، وعبر مهن الأطباء والصيدلانيين الذين حاولوا معالجة الضحايا من دون جدوى، إلى مبنى البلدية ومجالسها التي سعى قادتها للتوصل إلى طرق للوقاية من الطاعون ومعالجته، كما يبحث في الأدوية، والأدعية والصلوات، والأدب، والملابس الخاصة، والفنون، وممارسات الدفن، والجريمة التي تفشّت مع تفشي الوباء.
ويقدّم بيرن أمثلة حيوية من جميع أنحاء أوروبا، ويعرّج على العالم الإسلامي أيضاً، ويعرض نصوصاً لشهود عيان، وللضحايا أنفسهم حيثما أمكن، وينهي الكتاب بإلقاء نظرة وثيقة على طاعون مرسيليا (1720 - 1722)، آخر تفشّ رئيسي للطاعون في أوروبا، والاختراقات التي حققتها الأبحاث في نهاية القرن التاسع عشر، وأدّت إلى هزيمة الطاعون الدبلي في نهاية المطاف.

من الطاعون إلى التنوير
في زمن الطاعون، ظهرت أعظم البطولات، وأسوأ سلوك إنساني على الإطلاق، ومع ذلك استمرت الحضارة الغربية لتشهد عصر النهضة، والإصلاح الديني، والثورة العلمية، وبداية عصر التنوير