عبير زيتون (دبي)

«حين تأتي العاصفة، تمسكوا بتنفسكم الهادئ، وبالوعي الكامل باللحظة الراهنة، فأن نعيش الحياة يعني أن نتعرض للمرض والفقد والألم، والامتناع عن السعادة لا يَمنعُ عنا المعاناة والألم والمآسي، تأمل اللحظة الراهنة «بوعي كامل»، وتنفس بعمق، ولا تفكر بالأمام ولا بالخلف، اللحظة الحاضرة وحدها موطن سعادتنا».
هكذا يعلمنا كريستوف آندريه، الطبيب والمعالج النفسي، المعروف بمؤلفاته الأكثر مبيعاً في فرنسا، كيفية العثور على السعادة الداخلية، من خلال ثقافة العيش، ومن الأشياء الصغيرة، من خلال تأملنا الداخلي، كفعل مقاومة حقيقي ضد كل إغراءات التعاسة والكآبة، وأن نزرع في نفوسنا أملاً ذكياً، يعيد تواصلنا مع العالم، من بوابة صفاء النفس والروح والجسد كطريق لخلق طعم السعادة، حتى لو لم نولد جميعاً مفطورين عليها، أو مستعدين لها بالبيئة والتفكير الذهني والظروف.
ويوضح كريستوف أندريه، مبررات تركيزه في كل مؤلفاته على التأمل لتذوق طعم السعادة بالقول: «الشعور بالسعادة أمر نسبي وذاتي، لأننا نختار وفق ميولنا الأساسية بعض العناصر في حياتنا، ونتجاهل عناصر أخرى، لأن علاقتنا بالسعادة تعمل عبر عدة مستويات، منها ما هو فطري ناتج عن آلية وراثية، ومنها ما تعلَّمناه من محيطنا خلال نشأتنا، وكيف ساعدنا هذا المحيط على إدراكها». 
لذلك: «ليس المهم أن نولد موهوبين بالسعادة، بقدر معرفتنا أنه يسعنا أن نتعلم، مع بعض الجهد، كيف نصبح طلاباً فاعلين في مدرسة السعادة، لأن السعادة لا تتحرك، بل السعادة تُرافق قدرتنا على الشعور بالغنى النفسي، الذي تمنحنا إياه تجاربنا مهما كانت صغيرة أو كبيرة».
وفي كتابه المترجم «تأمَّل يوماً بعد يوم... 25 درساً للعيش بوعي كامل»، ترجمة سامح عبد الكريم صالح، يطرح الطبيب كريستوف آندريه حلاً لضغوط حياتنا المعاصرة، حيث أصبح كل شيء متطلباً وسريعاً، لدرجة أن أذهاننا لا تستطيع أن تجد السلام مع ضجيج التلفزيونات والهواتف والإعلانات المعلقة في كل فراغ، ولم نعد نستطيع التعامل مع الأفكار على المدى الطويل، وصارت أفكارنا معلبة، ومتعلقة بكل ما هو سهل وجاهز، في تلوث نفسي وسمعي وبصري، يسرق منا ميزة الانتباه إلى دواخلنا، مثيراً الاضطراب في توازننا النفسي والعقلي، مغذياً القلق والتوتر والاكتئاب ومشاعر العوز. 
وأمام هذه الحقائق، يرى آندريه التأمل بالوعي الكامل، طريقاً فاعلاً، ومجرباً في الدراسات النفسية الحديثة، لاكتشاف مذاق السعادة، من خلال العودة إلى الذات، والسكن فيها من جديد، والتواصل مع حقيقة جوهرها الداخلي بعيون الروح المفتوحة، على كل ما هو موجود معنا وحولنا - المكان، الأشياء، الأصوات، تنفسنا، ونبض قلبنا، توتر عضلاتنا، وضعية أجسادنا، أفكارنا ومشاعرنا، وأن ندعها تتشربنا، لنصير جزءاً منها، أو ليصير كل ما حولنا جزءاً من وجودنا، حتى نكتشف بوعي رؤيوي ما يحدث داخلنا من أفكار ومشاعر، تساعدنا، مع بعض الوقت والتدريب، على إنشاء مساحة تفكير خاصة بنا، تحررنا من كل ما علق بنا من خارجها، بعيداً عن مشاعر تقريع الذات ومحاربة النفس، ونقدها باستمرار، أو مقارنتها بسواها، وتحررنا من سيطرة المفاهيم والأفكار والقناعات الجاهزة الخارجية، وتخفف من ميلنا المكتسب للتحكم والسيطرة على كل ما حولنا من أحداث، وظروف، وبما يساعدنا على إعادة بناء الانتباه الذكي والتركيز، بعيداً عن التشتت والضياع، نحو زرع السلام والرضا والسعادة في أعماقنا، وبكل وعي وجمال حقيقيين، لأن الجمال والسلام الذي في داخل كل منا، معجزة الطريق إلى السعادة والتوازن مع كل الظروف.