إيهاب الملاح (القاهرة)

عبر الهاتف، ولما يزيد على نصف الساعة، حدثني الناقد والأكاديمي الدكتور شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة المصري الأسبق، وصاحب الأعمال الموسوعية «المرجعية» في علم نفس الإبداع والنقد الأدبي والدراسات البينية، عن مجمل نشاطه وإنتاجه في أيام العزلة الطويلة.
الفائز بجائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب في مجال الفنون عام 2012 عن كتابه «الفن والغرابة»، طوال شهر ونصف الشهر في مكتبه بالمنزل، يتابع بدقة العالم الخبير، ودأب الباحث المتمرس، مجريات الأمور في العالم في ظل الجائحة الكونية المسماة «كورونا»، أيام العزلة الإجبارية سيقتطع منها صاحب «عصر الصورة» ساعات مثمرة من البحث والتفكير والتأمل، ولا ينظر الدكتور شاكر إلى أي شيء، مهما كان، إلا بوصفه ظاهرة «إنسانية» تخضع للنظر والفكر والتأمل والتحليل!
«مارست نشاطاً عقلياً وتحليلياً كبيراً خلال الشهر ونصف الشهر المنصرم؛ حاولت النظر إلى أزمة كورونا من منظور مختلف»، يخبرني صاحب «مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب»، أن تفكيره في كورونا وتبعاتها خلال فترة العزلة، تجسد في دراسة طويلة نشرها على حلقتين بأحد المواقع الإلكترونية المصرية؛ وفيهما صك الدكتور شاكر مصطلح «ما بعد الكورونيالية» أو «Post-Coronialism» الذي يعتبره تدشيناً لـ «اتجاه جديد في النقد والإبداع والدراسات الإنسانية».
«طوال هذه الفترة، لم أخرج من البيت إلا للتريض في محيطه، وباستثناء رسالة ماجستير في جماليات الموسيقا والتعبير الموسيقي ناقشتها في أكاديمية الفنون بالهرم، لم أقم بأي نشاط أو زيارات خارجية طوال هذه المدة، حتى صديقي وجاري المبدع الكبير إبراهيم عبد المجيد لم ألتقه طوال هذه الفترة؛ مكتفين بالاتصالات الهاتفية فقط، ربما كانت هذه الفترة من أطول فترات الانقطاع التي لم أتواصل فيها مع أصدقائي خارج المنزل (وطبعاً السنوات التي قضيتها خارج مصر أستاذاً بجامعات البحرين والإمارات)».
أسأل صاحب «الفن وتطور الثقافة الإنسانية» عن رؤيته في العزلة لـ «وباء كورونا»؛ وهو رجل النظر والتحليل، والذي لا يفتأ يضع كل شيء تحت مجهر الفحص المنهجي والتحليلي الدقيق؛ يجيبني قائلاً: كل منا يمارس بدرجة ما، ما أسميه «الهروب من الحالة»؛ تختلف استجاباتنا من فرد لآخر؛ البعض يعتبرها فرصة لالتقاط الأنفاس والهدوء والتأمل؛ استراحة محارب إذا جاز التعبير، بالنسبة لي صار النظر ومحاولة الفهم وسيلة وغاية في التعاطي مع العزلة.
وأسأل د. شاكر عبد الحميد عن المصطلح الذي بدأ يذيع، وينتشر في الميديا والأدبيات المعاصرة لمحاولة وصف وتحديد تداعيات أزمة كورونا على العالم، وتأثيراتها التي ستمتد بكل تأكيد لعقود قادمة.. ما هي «ما بعد الكورونيالية»؟ 
يوضح لي: كنت قد طرحتُ مصطلح ما بعد الكورونيالية Post-Coronialism بهذه الصيغة على نحو متهكم على صفحتي على موقع الفيس بوك، مصحوباً بدعوة إلى قيام الأدباء والنقاد وعلماء العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى الاهتمام بتصوير ودراسة ما أصبح عليه حال البشر بعد انطلاق هذه الجائحة، ولكن هذا المصطلح ما لبث أن تطور واكتسب جدية خاصة، بفعل ما جرى من مناقشات جادة، أو متهكمة حوله بيني وبين الأصدقاء، بل إنه قد جرت الإشارة إليه أيضاً في بعض المقالات الحديثة على بعض المواقع، ومن ذلك- تمثيلاً- إشارة الكاتب المبدع والمفكر السياسي والاجتماعي المرموق د.عمار علي حسن إليه في مقاله «العالم بعد كورونا» (نشر في جريدة الاتحاد الإماراتية الشهر الجاري)، كما أن الدكتور عمار أيضاً، هو تحديداً، من شجعني من قبل على كتابة الدراسة التي نشرت في مقالين طويلين.