أنطوان جوكي

«على الأقل، أنتِ كتابٌ دائم، معكِ نتحاور، ننشغل في حبّكِ، ولا نشبع كما من الملذات الأخرى». هذه الجملة كتبها الشاعر الفرنسي شارل بودلير في سن السابعة عشرة لأمه كارولين، وتعكس طبيعة العلاقة التي ربطته بها. علاقة عاطفية، إشكالية، وبالتالي مؤلمة، لم يمنحها النقاد الاهتمام الذي تستحقه لفهم شخصية كاتب «أزهار الشر» وأسباب سوداوية عبقريته.
وهذا من دون شك، ما دفع الباحث والمترجم الفرنسي جان بافان إلى تناول هذا الموضوع في كتاب فريد من نوعه، صدر حديثاً عن دار «سوي» الباريسية، بعنوان «سيناريو بودلير». فريد لأن الأمر لا يتعلّق ببحثٍ نقدي تقليدي يقوم على تحليل الروابط التي جمعت فاتح الحداثة الشعرية بأمه وأثرها على كتاباته، بل بنصٍّ أدبي بامتياز يلجأ بافان فيه إلى شكل سيناريو فيلم خيالي لمقاربة هذه الروابط كما اختبرها بودلير؛ أي كلحظات ألمٍ وخيبة، وكشف كيف ارتقى بها وحوّلها إلى قصائد ذات خطاب شمولي.
السيناريو يتألف من فصولٍ قصيرة، هي عبارة عن لقطات مشهدية مستقاة من حياة بودلير، ولا تبيّن  فقط الدور المركزي الذي لعبته أمه في حياته، بل أيضاً عدم فهمها كلياً عبقرية ابنها، وحكمها السلبي الثابت عليه من منطلق أخلاقي متزمِّت، وانتقادها باستمرار سلوكه، إضافةً إلى سعيها الحثيث إلى التحكّم بحياته وبالأموال التي ورثها من والده. وفي الوقت نفسه، تبيّن  هذه اللقطات أيضاً الجهد المضني الذي بذله بودلير، عبثاً، لكسب عطف هذه الأم واحترامها أو، على الأقل، رضاها عن خيارات حياته وكتاباته.
وبالتالي، حين نقرأ هذا «السيناريو»، يظهر لنا كم أن «أزهار الشر» مُدينة بسوداويتها وشحنتها الثورية والانتهاكية لتلك العلاقة الممزِّقة، مصدر أيضاً كآبة بودلير التي أسقطها كاملةً في ديوان «كآبة باريس». ففي ضوئها، نتفهم على سبيل المثال قصيدة «بَرَكة» التي تفتح «أزهار الشر»، ويستحضر بودلير فيها حياة شاعرٍ يحتقره محيطه، ويعاني من حالة عدم فهمٍ لأفعاله، فيشيح بوجهه نحو السماء ويتقبّل وضعه. نتفهم أيضاً قصيدة «القطرس» التي يقارن بودلير فيها هذا الطائر بالشاعر، من منطلق أن الاثنين غير قادرين على فتح جناحيهما الكبيرين إلا في السماء، وحين يحطّان على الأرض، يسيران بصعوبة كـ «منفيين» ولا تنتظرهما سوى سخرية الآخرين وإدانتهم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى قصيدة «ارتقاء» التي لا يستحضر بودلير فيها ارتقاء فكره إلا كحركة ضرورية للإفلات من الانتقادات التي كان يتعرّض لها، والعثور على السعادة.
وإذ لا مجال هنا لنتوقف عند جميع قصائد هذا الديوان، نكتفي بواحدة أخيرة، «الإنسان والبحر»، يقول بودلير فيها: إن الإنسان والبحر متشابهان، لكن دائماً في حالة صراع. وحين نعرف أن كلمتيّ «بحر» و«أم» بالفرنسية (mer/‏‏mère) تتشاركان الجذر نفسه وتُلفظان بالطريقة نفسها، نفهم من المقصود في هذا النص أيضاً.
طبعاً، بافان لا يحلل أي قصيدة لبودلير في كتابه، بل يستعين بسيرة الشاعر وبعض نصوصه لخطّ مشاهد واقعية معبِّرة من حياته، تحضر من دون أي ترتيب زمني، وتكشف بؤس علاقته بأمه. خيارٌ استوحاه الباحث من كتاب «سيناريو بروست» الذي ترجمه إلى الفرنسية عام 2003، ووضعه الكاتب والمسرحي البريطاني هارولد بينتر على شكل حصيلة مكثّفة للأجزاء السبعة من رواية «البحث عن الزمن الضائع» التي نعرف أن مارسيل بروست لم يكتبها إلا لاستعادة تلك اللحظات الأولى والمؤسِّسة التي أمضاها مع أمه، قبل أن يفقدها.