محمد عبدالسميع (الشارقة)

للكاتب والناقد الإماراتي محمد نور الدين رأيه في خلوة المبدع بنصّهِ؛ خصوصاً في أوقات كهذه؛ الحَظرُ فيها يضع المبدعين على مفترق طرق، كما يقول، كونهم على اعتكاف دائم مع نصوصهم؛ فهم على استعدادٍ أصيل لأن يتقبّلوا «العزلة»، وهم انطوائيّون على نصوصهم ومعها في سبيل أن يعيشوا جوّها الرهيف بالمشاعر، فيستولدوا منها ما يبقى في الأذهان ويحمل الفكر؛ باعتبار النصّ الأدبي في تدفّقه موازياً للنصّ الفكريّ في تدفّقه أيضاً، وعلى هذا، فإنّ قبولاً إنسانيّاً لفنيّة النصّ الأدبيّ وتعبيره عن الأفكار في الوقت ذاته.
ولا يرى نور الدين مانعاً من أن يتواصل الأديب مع المجتمع؛ فيأخذ عنهم أفكاره أو يطوّرها من خلالهم بمقاييس كتابته العالية المزاج الفنّي، فلدى مجتمعه الكثير من المفردات والأحداث التي يتكئ عليها ليبني عالمه المثاليّ والجميل، غير أنّه يحتاج الهدوء بالتأكيد، كمطلب أساسي لزراعة بذرة الإبداع، إذ يقول: «وعلى الرغم من أن الأديب يحتاج إلى التواصل مع المجتمع للاستزادة من مؤنة المفردات وصور الأحداث ومهارة الحبكة والصياغة وغيرها الكثير، إلا أنّ الهدوء مطلبٌ أساسيٌّ لزراعة بذرة إبداعه، فمنه يثمر النص ويتجلّى إلى المجتمع».
ويؤكّد نور الدين، أنّ العزلة المفروضة بسبب أزمة كورونا أو لأيّ سببٍ كان، إنّما هي، وحتى مع كونها «إجباريّة»، تبدو متنفّساً للمبدع، ليعيد ترتيب أولويّاته، ويغلّب الأهمّ على المهم وفق رؤية إبداعيّة، خصوصاً وقد أتيحت له فرصة ذلك قياساً إلى «زحمة» العمل والحياة اليوميّة، التي لم تكن لتتيح ذلك أو تمنح المبدع شيئاً من ذلك، يقول: «وفي زماننا الصاخب هذا، وفي أوج التواصل الاجتماعي ووفرة الأوعية المعلوماتية، يصبح العزل وإن كان إجبارياً متنفساً مهماً لفرز المهم والأهم لإعادة ترتيب الأولويات، والتركيز على خلق النصوص باهتمام وعمق، وهذا ما لم يكن متاحاً في زحمة الأيام الماضية، ومن المؤكد أنّ هذه العزلة ستكون مفترق طريق في مسيرة الأدب الإنساني، وستنتج ثورة أدبية جديدة لتوفر بيئة الغموض؛ فالجهل بالمصير وتوقُّف الزمان والأحداث المتوقعة يسقط الإنسان في عمق الخيال، ولن يخرج المبدع من هذه الأعماق إلا باللؤلؤ الثمين».
ويرسم الكاتب نور الدين لوحةً مضيئةً بالتجليات الرمضانيّة والصفاء الروحي من منظوره الأدبي؛ فالإنسان مُكلّفٌ بالمسؤوليّة دائماً، وهو عنصرٌ تنويري، وتحديداً في رمضان، فضلاً عن هذا الدور الذي يلازمه طوال عمره، فهو يدرك قيمته عند خالقه الذي يستضيفه في هذا الشهر الفضيل، ويشعر بعظمة هذه الاستضافة، فهو يضيف ما استطاع إلى الشأن الروحي والنقاء الإنساني ما استطاع، لأنّ الإنسان- كما يرى نور الدين- هو أكبرُ من «جُرْمٍ صغير»؛ ففيه انطوى العالم الأكبرُ». 
وفي هذا يقول:«وأما الشهر الفضيل فإن أجواءه الروحانية تضفي على الروح سكينة لا تتوفر في أيّ وقت من العام، بالإضافة إلى أنّ لكلِّ وقتٍ من نهار رمضان وليلِهِ أجواءه المختلفة، ما يجعلك تدور في فلك الغروب ومنتصف الليل إلى السحر والفجر ومنه إلى الظهر والعصر.. وكأنك أيها الإنسان أو الجرم الصغير تنطوي فيك الأجرام الكبرى، وهذه اللحظات الروحانية يتجلّى فيها الإنسان، وهو في ضيافة الخالق ليلمس أنه أشرف المخلوقات، ولذلك يتحمّل أكبر المسؤوليات، وعليه فإن واجباته تمتدّ علاوةً على صلته بربّه في عباداته، ليكون عنصراً يضيف إلى الحياة إضافة مفيدة، لئلا يكون عبئاً على كاهل هذا الكون الوسيع، ومن هذا المنطلق يفرغ المبدع آثاره على بيئته كي يبقى أثرها على مرّ السنين».
لكلّ ذلك، وفي خضمّ هذا العالم المتأزم والإنسان المتهاوي أمام مخلوقات مجهريّة، يرى نور الدين أنّ الأدباء يحملون مشعل الأمل والنور، في وقت الظلمة، إدراكاً منه لدور الفن والأدب بأبعادهما الإنسانيّة، في ترميم الانكسارات وتجاوز الظرف والخروج إلى واقع جديد يتجاوز التحديات؛ فالهمم العالية، كما يقول، كفيلة بصنع ذلك، أما عن منهجه في هذه العزلة فيؤكّدها قوله: «ولا أظن أني سأبحث في الأدراج عن أعمال قديمة غير مكتملة، وعما قريب سترسو السفينة على برّ الأمان، وأنا على يقين من أنَّ الشعراء والأدباء سيتركون أثراً أعمق وأكبر في أوراق الأيام القادمة».
للكاتب محمد نور الدين حضوره الفاعل في المشهد الثقافي الإماراتي، وله 14 كتاباً في الأدب والنقد، منها: «دراسة تحليلية في شعر الشيخ زايد»، و «أوزان الشعر الشعبي»، و«مدارس الشعر الشعبي في الإمارات»، و«سالم بو جمهور- الأعمال الكاملة- دراسة في شعره الشعبي»، و«تجربة حبيب الصايغ الشعرية».