إبراهيم الملا

عندما تكون العزلة الاختيارية هي المقياس الحرج لاكتشاف قدرتنا على خلق التوازن الإيجابي بين الانصياع لشرط الخارج، وبين الإنصات لصوت الداخل، فإن العزلة الإجبارية تخصم الكثير من رصيد الحرية التي نمتلكها، كي نكون قادرين على الاختيار أصلاً، ذلك أن الأزمات الكبرى، مثل جائحة كورونا التي نعيشها حالياً، تفرض شروطاً وإملاءات تتخطى رغباتنا الذاتية في التخلّص من الأسر والحصار، أو ما يمكن وصفه بالانزواء الهلامي -إذا صح التعبير - والذي بات فعلاً جماعياً هذه المرة، وبالتالي فهو انزواء غير مشتبك بالطقس الفردي أو بالرغبة الذاتية في ممارسة التأمل مثلاً، أو الهروب من ضجيج العالم وملابساته وهديره وجموحه، وإنما هو انزواء قسري يحتمل المكاسب ويحتمل الخسارات أيضاً.
ولعل ما يحمله كتاب «في مديح البطء» للمؤلف الكندي كارل أونوريه، من ملامسات وانتباهات لهذه الإشكالية القابعة بين فكيّ (الجبر والاختيار) هي في الأصل ملامسات وانتباهات محفّزة لنا جميعاً، كي نعيد التفكير في طبيعة ردّات فعلنا تجاه المشاعر الخارجية الضاغطة علينا، في مقابل تحليل وتشريح هذه الضغوطات، حتى يمكن لنا استيعابها، ومن ثمّ ترويضها والتحكّم في سرعتها وجنونها وتوحشها، قبل أن تفضي بنا إلى الانهيار الروحي، والفوضى المعيارية، ومن ثم الوصول إلى التشويش الكامل لحواسّنا.

لا لــ «عبادة السرعة»
 يقدم لنا الكاتب الكندي كارل أونوريه في كتابه الذي ذاع صيته مؤخراً وشكّل حراكاً عالمياً يتحدى «عبادة السرعة»، كي يعيد الاعتبار للبطء، مستخدماً أسلوباً أدبياً سلساً، مبنياً على انطباعاته ورصيده المعرفي وزياراته ولقاءاته مع أشخاص قرروا المشاركة بطريقة أو بأخرى في الانحياز للبطء وتحدي العالم الصناعي المضطرم، مستعيناً بقالب سردي قصصي، مع الاعتماد على الأرقام والإحصاءات والدراسات. 
لم يخل الكتاب أيضاً - والذي ترجمه للعربية: «ماهر الجنيدي»- من عمق وتحليل وتدوير لزوايا النظر حول قيمة وماهية «البطء» وتأثيره الإيجابي في حياتنا، مقارنة بسلبيات التسارع الجنوني في وتيرة النهم والفضول اليومي من أجل الاستحواذ على أكبر كمية من المعلومات حول الأحداث المحيطة بنا، سواء القريبة منا، أو تلك البعيدة عن متناولنا، فيما يشبه الإيقاع الماراثوني في تعاطينا مع التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي ضرورة تخليص العالم من عبودية السرعة، والتخفيف من كوارثها ومآسيها التي أصابت العلاقات الاجتماعية في مقتل، وقللت من منسوب التأمل الذاتي، وأضرّت بالصحة البدنية والنفسية، وأفقدتنا الإحساس بطعم ولذة الحياة من جانبها المنسي والحقيقي، وليس من جانبها الخارجي والمخادع، فكل هذا التشويش الوجودي، كما يشير الكاتب، بات يطاردنا منذ لحظة استيقاظنا من الفراش ونحن متعبون، وحتى لحظة خلودنا إلى النوم ونحن منهكون ومطاردون بالكوابيس والأحلام المزعجة.

سبب للكتابة
ويوضح أونوريه أن دوافع تأليف للكتاب تعود، بشكل أساسي، لحالة العجز الكلي التي أصابته عندما وجد نفسه عالقاً في دوامة السرعة، من دون أن يجد حلولاً مناسبةً للخلاص من هذه الوضعية التدميرية، التي يمكن أن تدفع الكثيرين منا إلى التوهان الكامل، أو الجنون، أو المرض الجسدي والعاهة النفسية، ومن هنا، كما أوضح المؤلف، فإن اللحظة الإشراقية الأولى هي التي ألهمته لاتباع سلوك «الإبطاء»، بدلاً من اللهاث المتسارع في دائرة مغلقة.
ويبرّر الكاتب سبب اختياره لكلمة «البطء»، بدلاً من كلمات أخرى بديلة وأخف وطأً مثل «التمهّل» أو «التأنّي» أو «التأجيل» وغيرها من التوصيفات التي يمكن أن تقودنا لذات المعنى، يؤكد المؤلف أن اختياره لكلمة «بطء» أو Slow لأنها النقيض المباشر لكلمة «سرعة» Speed وتصف ما يريده تماماً، للإشارة إلى البطء الجسدي والذهني معاً، مضيفاً أن هذا الاختيار جاء متعمداً لتجاوز المعنى السلبي للكلمة، فعندما ننعت الشخص بأنه «بطيء»، فإن الانطباع الأول الذي يتشكل لدينا حول هذا الشخص هو أنه كسول، وغير منتج، ولا ينتمي للزمن المعاصر الذي نعيشه، مضيفاً: «ومن هنا جاء التحدي الذي حفزني بقوة لتأليف كتاب يمكن أن يكون إنجيلاً غير رسمي للتبشير بالبطء، لأن التباطؤ في هذا الزمن أصبح وسيلة خلاص ضرورية لإعادة اكتشاف ذواتنا وتغيير طبيعة علاقتنا بالأشخاص المحيطين بنا، وكذلك استثمار «البطء» لتحويل عاداتنا السيئة في اتجاه مختلف تماماً، اتجاه يزيد من وهج الاستنارة الداخلية في أعماقنا، ويحفز طاقتنا الدفينة، لأنها طاقة هائلة وعظيمة الأثر.
 يميل كتاب «في مديح البطْء» لأسلوب الكتابة الجامعة بين السردية التخيلية والواقعية التوثيقية، ووضع القصص في قالب محاذ ليوميات الحياة والعلاقات الإنسانية والأزمات التي تنشأ وسط شبكة معقدة من الأوهام، وسوء الفهم، والتباعد، والانعزال، والغربة الوجودية، والتي غالبا ما تكون «السرعة» في تعاطينا مع وظائفنا وهوايتنا والأناس المحيطين بنا، هي منشأ هذه العقد والعلاقات المشوهة، ومنشأ السوداوية والألم والحيرة التي تملأ دواخلنا.