محمود إسماعيل بدر (الاتحاد) 

ربما يكون كتاب «هل أفضل أيام البشر قادمة؟»، الصادر حديثاً عن دار نابو للنشر والتّوزيع ببغداد، من الكتب الاستثنائية بامتياز، فقد قام على صياغة مادته القيّمة أربعة من أبرز المفكّرين البارزين في عالمنا المعاصر، وذلك لصلة كتاباتهم بموضوع الإنجازات الإنسانية وأنماط وفلسفة الحياة النموذجية الناجحة. 
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يتجاوز التقليدي إلى مناظرة رباعية في مناقشة حوارية، تمزج ما بين التفاؤل والتساؤل حول مستقبل البشرية، وهؤلاء هم: الكنديان ستيفن بنكر ومالكولم غلادويل، والإنجليزي مات ردلي، والسويسري آلان دو بوتون، ونتاجاتهم الأدبية والعلمية، بالمناسبة، هي الأكثر مبيعاً على مستوى العالم، ويرون في هذه المناقشة العقلانية أن «مستقبل البشرية» يمتدّ بجذوره وتشعباته في كل مجال فكري وروحاني واجتماعي وإنساني تقريباً، كونه يتصل بشكل أو بآخر بالعلم والدين والتنوير والعقل والعقلانية والتكنولوجيا والفلسفة والأخلاق والسياسة ورأس المال البشري والمجتمع والبيئة، بهدف جعل الفلسفة في النهاية ذات صلة بحياتنا اليومية، لتصبح في المنظور العام طريقة ناجعة تستخدم كعلاج لمشكلاتنا التي لا تنتهي. 
الجميل في هذا الكتاب (145 صفحة من القطع المتوسط) أن المتناظرين الأربعة، رغم اختلافاتهم في طريقة التفكير، إلاّ أنهم يتفقون في كتابهم، الذي قام بترجمته والتقديم له «نصير فتيح»، على أهمية النظرة المتفائلة للانسان، كي يتجاوز مصاعب حياته، من خلال تناولهم لموضوعهم الرئيس من زوايا ثقافية وفلسفية وتاريخية وعلمية واجتماعية، معززة بالأرقام والإحصائيات، وبقدرات فكرية وحجج قوية وبارعة ودقيقة. 
من المحاور الرئيسة التي تدور حولها المناظرة، التي تشعرنا على نحو رائع بالتّحسن بطريقة جيدة، قضايا شمولية تخص العالم المعاصر، وما يمكن أن يترتب عليها من تقدّم أو مخاطر، مثل قضايا التغيرات المناخية، وتهديد فيروس كورونا مؤخراً، إلى ما سبق ذلك من حرائق الغابات العارمة في أستراليا، سواء من خلال البرق كعامل طبيعي، أو عن طريق أحداث من صنع الإنسان، وخسارة المجال البيئي للكثير من عناصر التطور والاستدامة، بجانب مناقشات عصرية لمواضيع، مثل الاحتباس الحراري، وتلوث الهواء والبحار، ومقترحات علمية فكرية تقوم على ثنائية الإنسان وفطرته الطبيعية لتجاوزها. 
 وفي ختام كتابهم، يرى المتناظرون أن مجتمع البشر المعاصر، ويسميه البعض بـ«مجتمع المخاطرة» أو «مجتمع المجازفة»، يقع ضحية نفسه، نظراً لغلوه في استخدام تقنيات زائدة، فيما يختصر مالكولم غلادويل الحديث بقوله: إن إنسان العولمة أصبح عدو نفسه، في تدميرة للطبيعة والبنيان الحضاري، وعليه أن يستفيق قبل فوات الأوان، ويدرك أن «التفاهم الإنساني» هو أهم الحلول للخروج من أزمات العصر.