إبراهيم الملا:

يعد توشيهيكو ايزوتسو (1914 - 1993) أحد أشهر الباحثين اليابانيين المعاصرين الذين كرسوا حياتهم العلمية ووظفوا أفكارهم التحليلية للاقتراب من الإسلام والتنقيب في جوانبه الروحية والمعرفية، معتمداً على منهج رصين قائم على علم الدلالة وعلم اللغة الحديث، مستخدماً عدّته الفكرية المكتملة هذه، للقيام برحلة مضيئة ومستنيرة وحيادية نحو منابع وتحولات الأديان والثقافات الشرقية والآسيوية وصولاً إلى الحضارة الإسلامية التي عززها التأثير القوي للقرآن الكريم في تكوين البنية المعرفية المميزة للمسلمين في العهود المبكرة لنشأة هذا الدين السماوي، وفي العهود اللاحقة التي أفرزت أسماء متوهجة في صنوف العلم التجريبي، كالطب والهندسة والكيمياء والعلوم الأخرى المتعلقة بالمنطق والفلسفة والأدب والعمارة والخط والزخرفة.
وأبدى إيزوتسو، من خلال إصداراته ومؤلفاته المتعددة حول الإسلام، وعياً عميقاً بالثقافة العربية والإسلامية المتماسة مع قضايا متشعبة في الدين الإسلامي، مثل التفسير وعلم الكلام والفقه واللغة وعلم الحديث والأدب العربي القديم، إضافة إلى ترجمته الدقيقة للقرآن الكريم، ومجموعة كبيرة من قصائد شعراء الجاهلية.

منهجية رصينة
ولعل أهم الإصدارات التي قدمها إيزوتسو في سياق اهتمامه بالشأن الإسلامي، كتاب: «الله والإنسان في القرآن - علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم»، مستخدماً المنهجية الغربية الحديثة لتتكيّف وتتلاءم مع موضوعه الفريد: «القرآن الكريم»، بحيث نكون إيجابيين في تلقّي الثقافة الغربية في جانبها التنظيري، حسب ما يشير إلى ذلك مترجم الكتاب الدكتور هلال محمد الجهاد، مضيفاً أن ميزة هذا الكتاب أنه يجعلنا نكتشف القرآن وكأننا نراه للمرة الأولى، فهو يعلّمنا قرّاء ومسلمين أن ننفصل عنه قليلاً لنراه ونعرفه من جديد معرفة علمية بالمعنى الدقيق لهذا الوصف، ذلك أن الكتاب يعمل على تغيير زوايا نظرنا للقرآن، وتنويعها، واعتماد مناهج علمية مستجدّة، لأن القرآن نفسه يتيح لنا ذلك، من حيث إنه نص لا يمكن استنفاد ماهيته، ولأنه يمتاز بتعدد مستويات المعنى وتشابك علاقاته.

انتباهات فارقة
يؤكد إيزوتسو في كتابه المتضمن ملاحظات وانتباهات فارقة، أن الأمل كان يحدوه إلى أن تكون دراسته هذه إسهاماً جديداً من أجل فهم أفضل لرسالة القرآن، لعصره، ولنا، واعتبرها خطوة أولى على طريق فهم القرآن ونظامه المفهومي، ورؤيته للعالم، والرسالة التي يحملها للبشرية، من خلال استكشاف وجوه قرآنية جديدة، واكتساب الجرأة على تبني منجزات علم اللغة الحديث بكل فروعه ومنهجياته وتطبيقها على القرآن؛ لأن ذلك -كما يؤكد إيزوتسو- سوف يؤدي حتماً لجني ثمار معرفية مثمرة، فيما لو وظّفت بوعي وجدية.
ويبدي إيزوتسو في الكتاب احتراماً واضحاً للإسلام ورموزه، مستعيناً بالمفاهيم المفتاحية للقرآن ليرصد ويتتبع معناها السياقي، كما تم استعمالها في النص الإلهي، حيث أحدث القرآن كما يرى المؤلف تغييراً جوهرياً بالغاً في رؤية العرب للعالم، وذلك باستبعاد كل الآلهة وجلب مفهوم «الله» إلى مركز الوجود؛ (لأن الموقع الخاص بكل حقل مفهومي مستقل، سواء كان كبيراً أو صغيراً، لن يكون محدداً بشكل دقيق إلا بالعلاقات المعقّدة التي تعطيها كل الحقول الرئيسية بعضها لبعض، ضمن الكل المُوحّد).
يقدم كتاب توشيهيكو إيزوتسو رؤية واسعة ومقاربة مبتكرة لبنية التعاليم القرآنية التي تحدد العلاقة بين الله والإنسان، ما يدفع القارئ إلى استكشاف أن مضمونه أو واضعه هو عالم ياباني، من ثقافة لا يكاد يعرف القارئ العربي شيئاً عن نظرتها للإسلام.
يركز الكتّاب على الجمع الوثيق بين عمق الرؤية الفلسفية، ودقة استخدام علم الدلالة الذي أتاح للمؤلف استخراج ما تستنبطه رؤى ومفاهيم أساسية في القرآن الكريم، كما أتاح له تتبع مساراتها عند العرب، قبل الإسلام وبعد ظهوره، حيث تشكلت العلاقة الأنطولوجية «الوجودية» بين الله بوصفه المصدر الجوهري للوجود الإنساني، وبين الإنسان بوصفه ممثلاً للعالم المخلوق الذي يدين بوجوده عيناً لله، فهي بتعبير علمي ديني، علاقة «الخالق - المخلوق» بين الله والإنسان.

الباحث في سطور
ولد توشيهيكو إيزوتسو في طوكيو، تخرّج من جامعة كيو في طوكيو، ودرّس فيها بين عامي 1954 - 1968، كما درّس في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ميكجيل بمونتريال- كندا، والمعهد الملكي لدراسة الفلسفة في إيران، وكان أستاذاً فخرياً لجامعة كيو، وعضواً في الأكاديمية اليابانية، أهم منجزاته ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية.