نوف الموسى

أن تكتب عن شخص لم تُقابله في يوم، رغم قرب المسافة بينكما أو أنكما تتقاطعان في نفس الدوائر والاهتمامات، مهمة ليست بالمستحيلة، ولكنها بالتأكيد صعبة، صعبةٌ جداً، خاصة بعد أن رحل ذلك الشخص، بهدوء تام، دون أن ترمش عيناه حتى.. أي قوة يمتلكها الواثق بنفسه، المعتد تماماً تجاه تلك المواجهة الأخيرة مع كل شيء، تاركاً نصوصه الأدبية على أرفف الحياة، وكأنه يقول: اقرأوها، ربما يصيبنا شيء من الاتصال، ربما نستطيع أن نضيف معنى لكل تلك الأسئلة، من قال إن علينا أن نتحاور في كل شيء؟! إذن، ما هي الفائدة المرجوة من كتابة النص الأدبي؟ أليس دوره أن يحررنا من إلزامية الفكرة، ويضعنا بين آلاف الاحتمالات والخيارات المشكِّلة لعوالمنا المتراكمة، التي تتصاعد لترسم تطوراً حراً وعفوياً وواعياً؟
لا أدري إن كانت القاصة الإماراتية الراحلة مريم جمعة فرج، تُدرك أن نصوصها الأدبية، ستبدأ بالتمدد بمجرد رحيلها، فالكتابة سحرٌ لا ينطفئ نوره، ومتى ما حدثت لحظة التخلي بينها وبين الكاتب، تفتح نفسها من جديد للحياة، لتُلهم كاتباً آخر، يأتي ليؤسس عبرها نصاً متجدداً. وطالما ظلت لـ«مريم جمعة فرج» حكايات لم تُنشر بعد، بحسب ما رواه المقربون منها، فهي لم تطلعنا، إذن، على جلّ الحقيقة، وتحتاج منّا من يفسر أبعاد قصصها، في محاولة رهيفة لملامسة شفافية وضوحها حول ما صورته بمخيلتها حضوراً للحياة من خلال القصة القصيرة. 

كالجالسة على الماء
المسار الأهم المتوفر أمامنا للتواصل معها مجدداً، هو أن نقرأ ونعيد اكتشاف مجموعتها القصصية «فيروز» ضمن منشورات «اتحاد كتاب وأدباء الإمارات»، الصادرة في طبعتها الأولى من عام 1988. وقتها استوعبت أنه بينما كانت القاصة مريم تطلق أول مجموعة قصصية متفردة، بعد أن نشرت مع مجموعة من الكاتبات الإماراتيات، كنت حينها بعمر السنتين: أي بمرحلة التكون، وهو أمر يدعو للتأمل بالنسبة لي كقارئة لنصوصها في هذه اللحظة، وهو ما نطلق عليه جمالية التمدد للأدب في عوالمنا الفسيحة. صمم غلاف المجموعة الفنان التشكيلي الإماراتي عبدالرحيم سالم، الذي قال عنها في حوار سابق مع «الاتحاد»، إنها كالجالس على الماء، عميق، يحفه الصمت والهدوء، اللذان لا يعبران عن مدى كثافته، مقدماً بذلك استشفافاً لمدى التداخل للأشكال الإبداعية في الحراك الثقافي في ذلك الوقت.
 وأكثر ما يُمكن أن يُفتن به القارئ لنص مريم جمعة فرج، هو شاعريتها المفرطة أمام جموح الألم في واقع الحياة اليومية، ليست تلك الشاعرية التي يتخذ منها العديد من الناس موقفاً في كونها لا تعكس حقيقة الشعور، ولكن تلك التي تفرز جذر المشاعر، وتفرغها من أمعاء اللحظة، الشبيه بموجة التطهير البدني لجسد الحياة. في قصة «فيروز» كتبت مريم: «وكلما توغلت في الوجوه، كلما أيقنت أنها رغم تغير الماء وتلاحق أزمنتها عبر فترات متباعدة، فإنها لم تتغير كلياً، هي ذات الوجوه»، تقولها بجزالة القصيدة، وفي القصة نفسها تعبر عن ردة فعل للشخصية الرئيسية ساردة: «ومنه التمعت عيناك بالفرح، كشيئين يفتشان عن شيء مفقود في الماء». 

مرايا الشخوص
القدرة البديعة لدى القاصة مريم هي التعبير عن ذات الشخصية عبر قصصها، ما يعكس لنا قوتها في تشكيل صيرورة الحياة في النص، مع أهمية موضوع الحكاية بالطبع، ولكن إبداع الكاتبة مريم يكمن في تحريك النَفْس الإنساني المتورط بجعله يواجه نفسه، ففي أغلب شخصيات مجموعتها القصصية «فيروز»، يخيل للقارئ أن كل شخصية تحمل بيدها مرآة، تنظر لنفسها وتتفاعل بناءً على ذلك. وفي قصة «عبار» تسرد القاصة: «ولا يعرف من العالم أكثر من مسافة الخور»، وبه اختصرت الكاتبة لنا «المكان» في شخصية العبار، وهو رجل كبير في السن، عاش تجربة هروب زوجته الشابة «نرجس». وبالنسبة للمتابع في هذه القصة، يبرز اهتمام القاصة بشخصية «الصبيّ»، الذي يعمل لدى العبار، وخاصة في حواره مع نفسه معلقاً على وضع العبار: «لماذا يكره الدنيا إذا كان كل شيء فيها لا يسوى، حتى نرجس، تفل، ثم رتب أفكاره وكأنما هي محاولة منه فقط لهدم تلك الهوة التي بينه وبين العالم والتي تفوقت على شعوره بالوحدة»، كيف بنت القاصة مريم شعور «الصبيّ» وبجملة واحدة تستحوذ على القارئ، وبإضفاء كلمة «تفل» التي شكلت أحداثاً غير مروية من حياة الصبي. 
في أبحاث الملتقى الثالث للكتابات القصصية والروائية، في دولة الإمارات العربية المتحدة الجزء الأول، يتناول الباحث بدر عبدالملك في مبحث «مبدأ الانتقال في المكان في القصة الإماراتية» محور «الحركات العنيفة والعدوانية»، طارحاً موضوع العنف والسلوك العدواني في القصص القصيرة في الإمارات، ومن بينها عرضه لقصة «عبار» للقاصة مريم جمعة فرج، وحولها يقول: «التنافر بين الشخصيتين لابد أن يدفع لموقف منطقي في نهاية المطاف كالخيانة والهروب. هكذا اتخذت قرارها نرجس في قصة (عبار)»، متسائلاً: «كيف نبحث عن الحركة والإيقاع بين لحظة إبداعية، تعتمد على الانفعال كالشعر، وبين لحظة كتابية يمثل فيها عنصر الوعي والتجربة والتأمل حالة متميزة»؟!