رضا سليم، مراد المصري (دبي) 

في زمن «كورونا» تغيرت المعادلات، واختلفت معايير الرياضة العربية التي أثرت عليها الأزمة بشكل مباشر، ودفعتها إلى السير في «الاتجاه المعاكس»، وحولت أحلام الرياضيين إلى «سراب»، وسط المعاناة في التدريبات المتقطعة، وغياب البطولات، وأندية ومراكز تدريب رفعت شعار «مغلق مؤقتاً»، ولعل العوائق المستمرة، دفعت العديد من الأبطال الرياضيين إلى التوقف، وربما الانسحاب من «حلبة المنافسات»، وسط حالة من الصمت من جانب المسؤولين، وعجزهم عن إيجاد الحلول البديلة، للحفاظ على الإنجازات التي حققتها الرياضة العربية، على مدار سنوات طويلة.
وسجلت الرياضة العربية عام 2020 النتائج الأسوأ في تاريخها، وكانت على استحياء، بل تكاد تكون الإنجازات اختفت، فقد خرجت جميع الأندية العربية، من دوري أبطال آسيا «صفر اليدين»، في حين حافظ الأهلي المصري على «حُمرة الخجل»، بالفوز بدوري أبطال أفريقيا، ورغم أن الألعاب الجماعية دائماً غائبة في الإنجازات، إلا أنها طفت على السطح، لأن أبطال الألعاب الفردية تراجعوا على مستوى النتائج، أو الغياب عن المشاركات. 

  • أنس جابر
    أنس جابر

وتبرز الإنجازات العربية على المستوى الفردي، في صعود لاعبة التنس التونسية أنس جابر إلى دور الـ 16 لبطولة فرنسا المفتوحة للتنس «رولان جاروس»، لتصبح أول لاعبة عربية تبلغ هذا الدور من البطولة، فيما حققت المصرية ميار شريف المركز الثاني في بطولة جران كناريا للتنس في إسبانيا، وفوز المصري رامي السبيعي الشهير بـ«بيج رامي» بلقب بطولة «مستر أوليمبيا» لبناء الأجسام، والتي تعد أحد أبرز وأهم بطولات اللعبة في فئة الوزن المفتوح في العالم.
ولعل تأجيل أولمبياد طوكيو إلى العام المقبل يعد بمثابة «جرس إنذار»، من أجل استعادة الوعي قبل أن نخرج من الحدث «صفر اليدين»، وتسجل الرياضة العربية أسوأ نتائجها في تاريخ الدورات الأولمبية.
وتختلف درجة الاهتمام من دولة إلى أخرى، ونسب ومعايير ما بين ارتفاع وانخفاض، ولكن المحصلة في النهاية، أن الرياضيين الذين ضحوا بالكثير للوصول إلى المجد، عادوا إلى «نقطة الصفر» يواجهون المصير المجهول.

  •  مروة العمري صاحبة إنجاز في «أولمبياد ريو»
    مروة العمري صاحبة إنجاز في «أولمبياد ريو»

الرياضيون العرب يعيشون مرحلة «أبطال المجهول» في «زمن كورونا»، بل يعيشون زمن الهواية، في غياب تامة للنظم واللوائح والبرامج التي تحكم رياضتنا العربية، وهو ما يجعلنا نوقن أن الإنجازات العربية، في المحافل العالمية والأولمبية تأتي بجهود فردية من أبطالنا، من دون أن نحقق لهم أدنى معايير النجاح وأجواء المنافسات، وهو ما يطلق عليه «عشوائية التخطيط»، والتي ظهرت جلية مع ظهور «فيروس كورونا»، والذي كشف واقعنا الرياضي المرير. 
«العشوائية» تلقي بظلالها على نتائج لاعبينا في البطولات القارية والعالمية، وهو ما يجعل أبطالنا يقفون على قطعة جليد هشة، قابلة لسقوطهم في أي لحظة، وهو المجهول الذي ينتظر كل رياضي، يتوقف عن اللعب، وتحقيق الإنجازات فلا توجد مهنة «رياضي» في رياضتنا العربية، وهو ما يجعل الأبطال يتحولون إلى مسارات مختلفة بحثاً عن «لقمة العيش»، ويدفعون ثمن تضحياتهم، من أجل ميدالية وضعها في برواز على الحائط.

  • الأهلي المصري يحافظ على «حُمرة الخجل»
    الأهلي المصري يحافظ على «حُمرة الخجل»

بالورقة والقلم ولغة الحسابات، الرياضيون العرب هم «الكنز المدفون» الذي لا يقدر بثمن يعانون الإهمال، على الرغم من أن القطاع الرياضي العربي، يسهم بطريقة مباشر وغير مباشرة في الناتج القومي المحلي، وتصل إلى أكثر من 32 مليار دولار سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي للوطن العربي، من أصل 6.5 تريليون دولار «الناتج المحلي القومي العربي»، بحسب الأرقام التقديرية وبنسبة 0.5 من الناتج المحلي الإجمالي.
وينخفض المؤشر في بعض الدول بنسبة لا تكاد تذكر، ودول أخرى يرتفع فيها تدريجياً، ما بين نسبة متوسطة، كما الحال في الأردن بواقع نحو 0.4% على الصعيد المباشر، ويرتفع إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، عند احتساب إجمالي المراكز والأكاديميات الرياضية عام 2019، ولا يقل عن 1% في السعودية عام 2018، وذلك ارتفع منذ ذلك الوقت وتضاعف مع سعي للوصول به إلى 8% بحسب «رؤية 2030»، وفي مصر بلغ 1.8% بحسب دراسة متخصصة عام 2017، وهو الرقم الذي يتوقع أن يتزايد أيضاً مع ارتفاع الاستثمار في القطاع الرياضي.
في الوقت الذي حققت الأندية العربية مكاسب مادية من بيع اللاعبين، في مجال كرة القدم إلى أندية خارجها، سواء على مستوى الوطن العربي نفسه أو الدول الأوروبية والأجنبية، وهو ما يشكل دخلاً إضافياً، من خلال الاستثمار بالرياضيين والمجال الرياضي عموماً.

  • أحمد أبوغوش بطل التايكواندو في أولمبياد ريو دي جانيرو
    أحمد أبوغوش بطل التايكواندو في أولمبياد ريو دي جانيرو

عادل المفتي: غياب الاستثمارات يهدد الأندية بالانهيار
يرى عادل المفتي الأمين العام لـ «تجمع الرياضيين السودانيين»، أن استراتيجية «بناء البطل» غائبة، في أغلب الدول العربية، ومن يتفوق من رياضيين، يكون من تلقاء نفسه في المقام الأول، رغم أن عملية إعداد الأبطال منذ الصغر، أمر يهتم به العالم، وأصبح صناعة تدر الأموال، وتصنع الإنجازات للدول، إلى جانب أهمية أن يكون هذا المشروع منذ الصغر، وفي المدارس، وليس في سن متقدمة للاعبين الذين يصبح هامش الاستفادة منهم شبه معدوم بعد ذلك.
ودق المفتي ناقوس الخطر، فيما يتعلق بضرورة التعامل بجدية، مع مسألة الاستثمار الرياضي، من الدول العربية، وذلك قبل أن نشهد حالة انهيار بالنسبة للأندية الرياضية، وما لها من تبعات على الرياضيين، وأن تقفل هذه الأندية أبوابها، سواء في عدد من الدول العربية عموماً، والسودان على وجه التحديد خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة، في حال عدم وجود خطة استثمارية على أرض الواقع، والتعامل بجدية وجذب الشركات الكبيرة إلى هذا القطاع من أجل ديمومته.

  • عادل المفتي
    عادل المفتي

وأشار المفتي إلى أن إطلاق «تجمع الرياضيين السودانيين»، جاء من أجل أسباب مشابهة، لما حدث خلال فترة «جائحة كورونا»، حيث يحتاج الرياضيون إلى المطالبة بحقوقهم لدى الجهات الرسمية، وذلك بالنظر إلى ضعف المردود المادي الذي تأثر كثيراً خلال «الجائحة»، إلى جانب عدم وجود مسار واضح لهم ما بعد الاعتزال.
وطالب المفتي أن يكون وزير الشباب والرياضة في الدول العربية من الرياضيين السابقين، أو أصحاب الخبرات المباشرة في الرياضة، لاطلاعه التام على الوضع بشكل مسبق، وعدم الاستعانة بأشخاص في هذا المنصب لأسباب سياسية فقط، من دون تخصص، لأن الرياضة مجال بحاجة إلى التخصص من أجل حصول التغيير المأمول.

«المقاولون» استثمر صلاح بـ 70 مليون جنيه
كشف المركز الدولي للدراسات الرياضية، عن أهمية الرياضة، في تعزيز الناتج المحلي القومي العربي، وذلك بعدما أصبح لاعبو كرة القدم من ضمن «الصادرات» التي تحقق عائدات مباشرة للأندية نفسها، أو الدولة على المدى الطويل.
وأكدت الإحصائية أن الأندية العربية قامت بتصدير 248 لاعباً إلى الخارج، سواء إلى الدوريات العربية الأخرى أو الدوريات الأوروبية والأجنبية، سواء من خلال البيع المباشر، أو وجود عائدات غير مباشرة تعود إلى الدول العربية من لاعبين نشؤوا في دول أجنبية، لكنهم يمثلون المنتخبات الوطنية العربية.

  • محمد صلاح
    محمد صلاح

ويعتبر محمد صلاح مثالاً بارزاً في الوقت الحالي، على هذا النوع من «الصادرات الرياضية»، حيث يجني ناديه الأصلي المقاولون العرب مبلغ بدل تضامن حسب قانون «الفيفا»، كونه ناديه الأصلي، وهو ما يجعله ينال نسبة من كل انتقال، يقوم به في الأندية الأوروبية، حيث حقق المقاولون 48 مليون جنيه مصري، من عائدات انتقاله المباشر إلى بازل، ثم إلى تشيلسي الإنجليزي، كما حصل على 13 مليون جنيه من عائدات بيعه من روما الإيطالي إلى ليفربول الإنجليزي، وما بينهما من حركات انتقال بين فيورنتينا وروما، ليتخطى المجموع بين 60 إلى 70 مليون جنيه إجمالاً «4.5 مليون دولار»، وهي تعتبر عائدات استثمارية رياضية.

  • محمد إيهاب بطل العالم في رفع الأثقال
    محمد إيهاب بطل العالم في رفع الأثقال

المجالي: أضرار ضخمة في الأردن
أشارت الدراسة التي قدمتها اللجنة الأولمبية الأردنية، إلى حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الرياضي بسبب «جائحة كورونا»، وأن عدد الموظفين في القطاع يبلغ 62.676 ألف موظف وموظفة بمختلف التخصصات، وهو ما يُشكل نسبة 2.2% من إجمالي القوى العاملة في الأردن، كما توضح الدراسة أن القطاع الرياضي، والذي يضم أكثر من 2867 مركزاً وأكاديمية رياضية، أسهم بـ 67 مليون دينار من الناتج المحلي عام 2019، ما نسبته 1.3% من الناتج المحلي الأردني.
وقال ناصر المجالي، الأمين العام للجنة الأولمبية الأردنية: إن «جائحة كورونا»، والأضرار التي تسببت بها، خاصة على القطاع الرياضي، دفعتنا في اللجنة الأولمبية الأردنية إلى تشكيل فريق عمل لإدارة هذا الملف، والذي يقوم بالتواصل مع جميع الجهات صاحبة العلاقة، خصوصاً اللجان الصحية والحكومية، وذلك لتوضيح حجم الضرر الذي لحق في هذا القطاع والعاملين فيه.

  •  ناصر المجالي
    ناصر المجالي

وأضاف: بالتأكيد على أن هذا القطاع هو عنصر رئيسي في الاقتصاد الوطني والصحي، حيث تم وضع وتقديم البروتوكولات الصحية المطلوبة، لممارسة النشاط الرياضي، لضمان استمرارية هذا القطاع، كما قمنا بعمل الدراسات والأرقام الخاصة بحجم القطاع الرياضي، لتوضيح أهميته في المجتمع وارتباطه مع القطاعات المختلفة.

شلبي: المداخيل تراجعت %25 عربياًً
أكد الدكتور سعد شلبي، المتخصص في علوم ومجال الاقتصاد الرياضي، أن التأثيرات السلبية الناتجة عن «فيروس كورونا» تراوحت ما بين 20 إلى 25% من مداخيل الرياضة في الوطن العربي، لأن العائدات تأتي بطرق متعددة، منها المباشر وغير المباشر، والرياضة أصبحت صناعة بالأرقام والمعطيات، وتتطلب من الدول العربية التعامل معها في هذا الإطار.
وأشار إلى أن مصر تمثل 25% من حجم الاستثمارات في الوطن العربي، وتضم 4 ملايين مواطن يعملون بها بشكل مباشر، إلى جانب الأرقام الأخرى المرتبطة بها بشكل غير مباشرة، مع الإشارة أنها أسهمت بنحو 49 مليار جنيه مصري «أكثر من 3 مليارات دولار»، من الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 3.2 تريليون جنيه عام 2016، وهي الأرقام التي زادت منذ ذلك الوقت، من دون النظر إلى فترة «جائحة كورونا» التي تعتبر استثنائية، تمهيداً لعودة عجلة دوران الصناعة بصورة أقوى عقب التعافي، شأنها شأن بقية القطاعات الأخرى.

  • سارة سمير حصدت برونزية الأثقال
    سارة سمير حصدت برونزية الأثقال

وأكد شلبي أن القطاع الرياضي العربي، بحاجة لمواكبة متطلبات العصر والتعايش معه، والتفكير في المستقبل، حال أراد مجاراة الدول العظمى التي تستثمر في هذه الصناعة أرقاماً ضخمة جداً، لإيمانها بقدرته على تعزيز الناتج المحلي القومي، وهو ما فرض حقوقاً وواجبات ومعطيات واضحة للرياضيين هناك، وفق قواعد محددة، عوضاً عن الوضع الحالي في الوطن العربي، حيث تعتبر العملية عشوائية نوعاً ما، في التعامل مع الرياضيين والعاملين، في المجال الرياضي، وهو ما كشفته جائحة فيروس كورونا المستجد.

رياضي بلا مهنة!
لم تنجح مهنة «الرياضي» أو «اللاعب الرياضي المحترف»، أو غيرها من المسميات، في أن تشق طريقها إلى السجلات الرسمية، في المهن المعتمدة بالدول العربية، وذلك رغم أن دليل المهن يضم أكثر من 700 مهنة معتمدة رسمياً خلال الوقت الحالي في الوطن العربي، وهو ما تمخض عنه تبعات وآثار كبيرة على الرياضيين والعاملين في المجال الرياضي. خلال فترة «جائحة كورونا»، من حيث غياب التأمين والتعويضات، وعدم وجود صندوق معاشي، للحصول على رواتب، عند توقف النشاط الرياضي، كما حدث خلال الفترة بين مارس وسبتمبر الماضيين «على أقل تقدير في بعض الدول»، فيما امتدت الفترة لمدة أطول في دول أخرى.

  • محمد ربيعي صائد البرونزية الأولمبية في الملاكمة
    محمد ربيعي صائد البرونزية الأولمبية في الملاكمة

وزير تونسي: الرياضيون دون رواتب والفيروس كشف المعاناة
شدد صابر بوعطي، وزير الشباب والرياضة الأسبق في تونس، على أن هناك معاناة حقيقية حدثت في فترة «جائحة كورونا»، وما زالت تؤثر، مما جعل الأندية والاتحادات الرياضية تعجز عن دفع الرواتب للرياضيين، أو تضطر إلى خصم جزء من المبالغ، بالنظر إلى الظروف التي تمر بها، كما امتد التأثير الاقتصادي إلى الجهات المرتبطة بالمجال الرياضي، ومنها قطاع الخدمات والمطاعم في المناطق المحيطة بالملاعب، وشركات المستلزمات الرياضية وغيرها.
وأوضح أن معاناة القطاع الرياضي، تكمن في أنه ما زال يتم التعامل معه في الدول العربية بوصفه مجرد «ترفيه» أو «هواية»، من دون أخذ الجدية اللازمة، بأنه صناعة حقيقية تدر دخلاً مالياً كبيراً في الدول المتقدمة، وأصبح جزءاً أساسياً من الاقتصاد العالمي، منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يجعلنا نرى تنافس الدول على استضافة البطولات الكبرى، ووجود خطط لاستغلال الرياضة، في تحفيز السياحة، ورفد صناعات مرتبطة بها، مثل المستلزمات الرياضية والمراكز الرياضية وغيرها.
وكشف بوعطي عن أرقام صادمة تكشف غياب الاستثمار الرياضي الصحيح في تونس، حيث تقدر مساهمة الاستثمار الرياضي في الناتج المحلي القومي هناك بنحو 0.2 % فقط، وذلك لعدم التعامل مع الرياضة كقطاع قادر على الإنتاج وتعزيزه، من خلال وجود شركات تسويق رياضية حقيقية.

اقرأ أيضاً.. «كورونا» يُصيب جسد الرياضة العربية (2-3).. «أبطال على الرصيف» يبحثون عن «لقمة العيش»!
اقرأ أيضاً.. «كورونا» يُصيب جسد الرياضة العربية (3-3): مهنة «رياضي».. الملف المنسي!