الإثنين 6 فبراير 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

استثمارات الموانئ تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية

استثمارات الموانئ تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية
22 يناير 2023 01:31

حسونة الطيب (أبوظبي)

في الجزء الغربي من سنغافورة، تشهد 5 أرصفة جديدة في ميناء تواس ميجا، حركة دؤوبة، حيث تلوح في أفقه رافعات آلية تحلق فوقها طائرات من دون طيار مزودة بكاميرات عالية الدقة، بينما تنتقل بين جنباته مركبات ذاتية القيادة. وتمثل هذه الأرصفة، المرحلة الأولى من ضمن 21 رصيفاً ينتهي العمل منها بحلول عام 2027. وعند الفراغ منها جميعاً في عام 2040، يعتبر المُجمع، أكبر ميناء للحاويات في العالم، بحسب «بي أس أيه إنترناشونال» المالكة للمشروع.
يُعد تواس، بمثابة رؤية للمستقبل، على صعيدين من الصعد، حيث يعكس، كيفية استخدام مشغلو الموانئ، للتقنيات الذكية، بُغية تلبية الطلب على خدماتهم، وتطوير المرافق الجديدة، في ظل العقبات التي تقف في طريقهم، من نقصٍ في المساحات إلى مخاوفٍ تتعلق بالبيئة. 
والأهم من ذلك، تشكل استثمارات سنغافورة، مع تكلفة إنشاءات تقدر بـ 15 مليار دولار، جزءاً من موجة رهانات ضخمة لقطاع الخدمات، على الأهمية المتزايدة لمنطقة آسيا وجنوب شرقها على وجه التحديد. وتقع سنغافورة في مضيق ملقا، حيث تمثل، محطة توقف منتظمة على طرق الحاويات، التي تعمل على ربط المصانع الآسيوية، بالمستهلكين في أوروبا.

الخمسة الكبار
ويتوقع صندوق النقد الدولي، أن تشكل اقتصادات المنطقة الـ 5 الأكبر، إندونيسيا، سنغافورة، تايلاند، ماليزيا والفلبين، أسرع التكتلات نمواً في العالم، من حيث حجم التجارة، في الفترة بين 2022 إلى 2027، ما يعني رسم خريطة جديدة للتجارة العالمية، وفقاً لموقع ذا إيكونيميست. 
أصبح توسيع الموانئ البحرية، عملية أكثر صعوبة للعديد من الدول حول العالم، حيث ليس من السهولة الحصول على المساحة المناسبة، فضلاً عن الشروط التي تتعلق بالسلامة البيئية. ومن بين الحلول، جعل شبكات الخدمات اللوجستية القائمة أكثر كفاءة، بدلاً من أكبر حجماً. وفي هذا السياق، قامت بي أس أيه السنغافورية في أبريل 2022، بشراء بي دي بي الأميركية المتخصصة في إدارة سلاسل التوريد، بينما استحوذت موانئ دبي العالمية في غضون العامين الماضيين، على اثنين من الشركات المتخصصة في سلاسل التوريد، «إمبريال لوجيستكس» من جنوب أفريقيا بنحو 890 مليون دولار وسينكريون الأميركية مقابل 1.2 مليار دولار.

سعات جديدة
من الضروري الحصول على سعات جديدة، وربما يكون ذلك عبر استعادة الأراضي من البحار، الشيء الذي يتطلب جهوداً هندسية كبيرة وأموال ضخمة. وأنفقت هيئة الملاحة البحرية والموانئ السنغافورية، 1.8 مليار دولار لردم مياه البحر، لتطوير المرحلة الأولى في ميناء تواس ميجا. وأنفق ميناء روتردام الهولندي، نحو 3.1 مليار دولار، مقابل توسعة ماسفلكيت، المرحلة الثانية التي تم افتتاحها في 2015.
العديد من الموانئ عميقة للغاية، حيث لا يكون استصلاح الأراضي مجدياً اقتصادياً، ما يدفع بعضهم للتوسع الرأسي. ومن غير العملي في عمليات الإعداد التقليدية، تكديس أكثر من 6 حاويات فوق بعضها بعضاً، وحتى بعد ذلك، ينبغي غربلة الأكوام الطويلة من الصناديق باستمرار، للحصول على الحاوية المطلوبة. وفي نظام التخزين «هاي باي» في ميناء جبل علي، توضع كل حاوية في رف فردي، حيث يمكن للرافعات الآلية إخراجها بشكل منفصل، ما يتيح تكديس 11 حاوية فوق بعضها بعضاً. 
وفي حال عدم توافر خياري التوسع الرأسي أو البحري، لابد من الاستعانة بالموانئ الجافة، حيث يتم تجهيز البضائع في حاويات قبل الموعد، لشحنها في البواخر عند وصولها للموانئ، ما يقلل عملية تخزينها في الموانئ لفترات طويلة. ويساعد ذلك أيضاً، في تقليل الازدحام المروري في المرافئ. 

الموانئ الجافة
دخلت «بي أس إيه»، في شراكة مع مشغلي السكك الحديدية الحكومية في الصين في عام 2016، بغرض تسيير شبكة من الموانئ الجافة في الصين، حيث يقوم المصنعون، بتحميل البضائع في قطارات عند واحدة من عدد 13 محطة سكك حديد داخلية، لتوصيلها إلى الساحل.
وقعت مؤسسة التمويل الدولية، ذراع البنك الدولي للقطاع الخاص، اتفاقية مع مجموعة واي سي أتش السنغافورية ومجموعة «تي آند تي» الفيتنامية، بنحو 300 مليون دولار، لتطوير ميناء جاف للحاويات في فين فوك شمالي فيتنام، يطلق عليه اسم سيوبر بورت ويتوقع شروعه في العمل في 2024.
وتشير كافة عمليات التطوير التي تجري في الموانئ الجافة في آسيا، للقوة الثانية التي تعيد تشكيل خريطة الموانئ في العالم، المتمثلة في تحول مركز جاذبيتها نحو الشرق. ظلت تجارة آسيا ولعقود طويلة، تسلك اتجاهاً واحداً، حيث يتم تحميل السلع التي يتم إنتاجها بأيدٍ زهيدة التكلفة، صوب دول الغرب، لتعود أدراجها فارغة.
وما يزيد على 70% من صادرات آسيا عند نهاية تسعينيات القرن الماضي، كانت تذهب لبلدان أخرى حول العالم. لكن ما يقارب 60% من هذه السلع، يتم تداولها داخل المنطقة حالياً.

التجارة الإلكترونية
نتيجة لانتشار فيروس «كوفيد-19» قبل عامين، حققت استثمارات الخدمات اللوجستية نمواً في التجارة الإلكترونية، في أرجاء العالم كافة، حيث من المتوقع، استحواذ آسيا بما فيها الصين، على 90% من التسوق الإلكتروني العالمي، في الفترة بين 2021 إلى 2026. ويتطلب ذلك، توفير 130 مليون متر مربع من مرافق الخدمات اللوجستية الجديدة. 
وتحقق المنطقة، انتعاشاً كبيراً في، استثمارات المستودعات ومراكز التوزيع، حيث قامت «جي أل بي» السنغافورية، المتخصصة في هذا المجال، باستثمار 1.1 مليار دولار في فيتنام ونحو 3.7 مليار دولار في اليابان. 
وارتفع إجمالي حجم الشحن في ميناء موندرا الهندي، بجانب 12 ميناء آخر موزعة على 7 ولايات هندية، من 200 مليون طن قبل 4 سنوات، لنحو 300 مليون طن في 2022، مع توقعات بأن يناهز 500 مليون طن بحلول عام 2025.   
ويتجه مؤشر استثمارات شركات السفن العملاقة، نحو الشرق أيضاً. وفي حين كانت أسعار الشحن، تعاني التراجع في أكتوبر الماضي، أعلنت شركة شحن البحر الأبيض المتوسط، الأكبر في العالم من حيث السعة الإجمالية، عن 5 خدمات داخل القارة. كما أعلنت في يوليو 2022، عن شراكة مع حكومة فيتنام، لإنشاء ميناء في مدينة هوشي منه، بتكلفة 6 مليارات دولار، في عام 2027. 
وفرغت «موللر - ميرسك»، من عملية شراء «أل أف لوجيستكس» من هونج كونج، التي تركز على تجارة آسيا الداخلية، مقابل 3.6 مليار دولار. تستحوذ الشركة بموجب هذه الصفقة، على 223 مستودعاً موزعاً حول القارة يعكف على تسييرها نحو، 10 آلاف من العاملين، تركز على المستهلك الآسيوي. 
وعند انتعاش التجارة البحرية في القرن الماضي، عكست الاستثمارات في الخدمات اللوجستية، تحولاً في نماذج الإنتاج والاستهلاك العالميين. والآن، يتكرر ذات المشهد، مع مستقبل يبدو أكثر تقنية وتطوراً وتوجهاً ناحية الشرق.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©