الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

رأي وتحليل: ثاني أكسيد الكربون في أعلى مستوياته المسجلة بتاريخ البشرية

نوال الحوسني
24 يوليو 2022 00:10

د. نوال الحوسني
بقدر ما هي صادمة هذه اللحظة، لا ينبغي لها أن تكون مفاجئة. إذ شهدنا الكثير من علامات التحذير قبل أن نصل إلى هذه المرحلة.
علامة التحذير الأولى أطلقتها الباحثة يونيس فوت عام 1851، بعد أن أجرت تجربة، بقيت على هامش التاريخ حتى وقت قريب، خلصت فيها إلى أن: «الجو المليء بـ (ثاني أكسيد الكربون) من شأنه أن يرفع درجة حرارة الأرض». ومنذ ذلك الحين، تبع ذلك الكثير من التحذيرات من ارتفاع درجة حرارة الكوكــب على مدار الـ 151 عامًا اللاحقة.
ففي عام 1965، خلص تقرير صادر عن «الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم» إلى أن: «الملوثات قد غيرت على نطاق عالمي محتوى ثاني أكسيد الكربون في الهواء وتركيزات الرصاص في مياه المحيطات والتجمعات البشرية».
وفي العام الماضي، ذكّرنا البيان الصادر عن قمة المناخ Cop26 في غلاسكو بأهمية الحد من ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية. واليوم، ورغم إشارات التحذير، فإن حرارة كوكبنا الآن أعلى بمقدار 1.1 درجة مئوية عما كانت عليه في القرن التاسع عشر.
وفي عام 2021 أيضاً، ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة إلى 36.3 مليار طن- أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى. ويبلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الآن ما يقرب من 412 جزءًا في المليون وهو في ازدياد. وهذا يشكل زيادة بنسبة 47 في المائة منذ بداية العصر الصناعي.
لقد كانت العودة إلى المسار الصحيح تحدياً بالفعل. والآن، وفقًا لأحدث بيانات الأمم المتحدة، يجب أن تنخفض انبعاثات الكربون بنسبة 7.6 في المائة سنويًا حتى عام 2030 لمنع درجات الحرارة من تجاوز 1.5 درجة مئوية. لدينا أقل من عشر سنوات للقيام بذلك.
وتلعب منطقتنا دورًا حاسمًا في صياغة مستقبل قادر على مواجهة تغير المناخ؛ فوفقًا لتقرير جديد نشرته منظمة القمة العالمية للحكومات وأوليفر وايمان، تحتاج المنطقة إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المتوقعة بنسبة 42 في المائة بحلول عام 2030.

ثلاثة قطاعات
كما سلط تقرير القمة العالمية للحكومات الضوء على ثلاثة قطاعات باعتبارها أساسية للحد من الانبعاثات في المنطقة. ويشكل توليد الطاقة 39 في المائة من جميع الانبعاثات الإقليمية، في حين تساهم الصناعة بنسبة 21 في المائة وتُصدر أنظمة النقل 11 في المائة من غازات الدفيئة في المنطقة، وفقًا للتقرير.
وتعتبر هذه النتائج متسقة في جميع أنحاء العالم. وهي تشير إلى نقطة مهمة هي أهمية تماشي السياسات والاستثمارات الخضراء مع الصناعة. فإذا أردنا إزالة الكربون من الغلاف الجوي في الوقت المناسب، يجب أن تكون هذه نقطة البداية.
وعبر الاستعانة بحلول الطاقة المتجددة والكهرباء، لدينا القدرة على تقليل 75 في المائة من انبعاثات الكربون المرتبطة بالطاقة في العالم - وذلك وفقًا لبحوث أجرتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
وهنا يجب طرح السؤال الآتي: إذا كانت هذه التكنولوجيا القابلة للتطبيق من أجل إزالة الكربون متوفرة، فلماذا لا تتماشى السياسات والاستثمارات مع متطلبات الصناعة؟
والإجابة هي أنه بدون وجود أطر عمل مرنة لتطبيق السياسات، لن تواكب الصناعة الاحتياجات الملحّة للناس والكوكب بشكل متوازن، وبدون وجود استراتيجية استثمار قوية للبحث والتطوير والمواهب اللازمة لزيادة تعزيز وتوسيع نطاق حلولنا المتجددة، لن نزيل الكربون بالسرعة الكافية لبناء مسار مقاوم لتغير المناخ خاصة في الخطوط الأمامية للعمل المناخي.

سياسات والتزامات
ومن ناحية أخرى، مع توفر السياسات المناسبة والالتزامات الاستثمارية، يمكن للاقتصادات العمل مع شركاء دوليين لتسريع تنويع مصادر الطاقة ومزيجها.
وبدعم قيادتنا الرشيدة، تجني دولة الإمارات حاليًا ثمار هذا النهج، حيث سجل اقتصادها غير النفطي أعلى مستوى من الإنتاجية في السنوات الثلاث الماضية.
كما تشارك دولة الإمارات في مناقشات جارية مع الاقتصادات الفاعلة الأخرى لتبادل الخبرات والفرص لتوسيع نطاق الحلول الجديدة للطاقة المتجددة، مثل مشاريع الهيدروجين والطاقة النظيفة مع ألمانيا، مع المساعدة في الوقت نفسه على بناء قدرات الطاقة المتجددة في البلدان النامية - من منطقة البحر الكاريبي إلى المحيط الهادئ.
وعلينا في الوقت نفسه إدارة الجانب المتعلق بالطلب في محور الطاقة بشكل أكثر فعالية، لأن ذلك لن يساعد في التخفيف من آثار انبعاثات الكربون فحسب، بل سيعمل على تقليلها، وفقًا للتحليل الذي قدمته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، عقب إصدار تقرير التقييم السادس. وتقول «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» أن ما بين 5 و30 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية السنوية الصادرة عن قطاعات الاستخدام النهائي يمكن تجنبها بحلول عام 2050، إذا ما قمنا بالجمع بين التغييرات السلوكية والحد من الطلب، وذلك بالمقارنة مع توقعات عام 2050 لسيناريوهين متوافقين مع سياسات وطنية تم تطبيقها في هذا الشأن حتى عام 2020.

تغييرات المناخ
لنكن واضحين: كوكب الأرض قادر على الصمود، لكن البشر هم الأسرع تأثراً بتغيرات المناخ. وبالتالي فإن مستقبل البشرية يحتاج منها العمل من أجل كوكب الأرض.
عندما حبست الباحثة فوت ثاني أكسيد الكربون والهواء الدافئ في أسطوانتين زجاجيتين منفصلتين في عام 1851، لاحظت أن الأسطوانة المملوءة بثاني أكسيد الكربون ترتفع حرارتها بدرجة أكبر، وبمجرد إبعادها من الضوء، «كانت تستغرق أضعاف وقت التبريد» بالمقارنة مع الأسطوانة ذات الهواء الدافئ، عندها استنتجت أن جوًا مملوءاً بـثاني أكسيد الكربون سيؤدي إلى «درجة حرارة عالية جدًا» للأرض.
لقد أُهملت ملاحظاتها لما يقرب من 150 عامًا، وتم تجاهل عملها وصرف النظر عن تحذيرها. لكن الوقت لم يفت، ويمكننا اليوم بتضافر جهودها في مجال الاستدامة والطاقة المتجددة والعمل من أجل المناخ أن نكرّم عملها العلمي وعمل كل الباحثات والمتخصصات في العمل البيئي والمناخي والتنموي المستدام على مر التاريخ، ليكون لنا ولكوكبنا المستقبل الذي نطمح إليه. 
المندوب الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©