الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
هل يتحمل الاقتصاد الأوروبي حظر النفط الروسي؟
هل يتحمل الاقتصاد الأوروبي حظر النفط الروسي؟
9 مايو 2022 02:25

عاطف عبدالله (أبوظبي) 

تعتزم المفوضية الأوروبية فرض حظر على النفط الروسي في إطار سلسلة من العقوبات الاقتصادية على موسكو؛ نتيجة هجومها العسكري على أوكرانيا في فبراير الماضي.  تشمل العقوبات الأوروبية المقترحة، خفضاً تدريجياً لواردات الخام الروسية في غضون ستة أشهر ومنتجات التكرير بحلول نهاية هذا العام. كما تشمل الخطة أيضاً حظر جميع خدمات الشحن والسمسرة والتأمين والتمويل التي تقدمها شركات الاتحاد الأوروبي لنقل النفط الروسي في غضون شهر.  خطة الاتحاد الأوروبي تعد أشد عقوباته على روسيا حتى الآن، في تصعيد للضغط على الاقتصاد الروسي البالغ حجمه 1.8 تريليون دولار والذي يواجه ضغوطاً بالفعل.ورغم الكشف عن خطط الحظر، فإن الاتحاد الأوروبي لم يعلن حتى الآن عن بدائل للنفط الروسي، إذ يستورد نحو 3.5 مليون برميل يومياً من النفط ومنتجاته من موسكو، منها 2.2 مليون برميل يوميا من الخام و1.2 مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة، فضلاً عن اعتماده على إمدادات الغاز الروسية، حسب بيانات وكالة الطاقة الدولية.

 نقطة تحول
 إلى جانب العقوبات النفطية، ستضرب الجولة الأحدث من العقوبات سبيربنك، أكبر البنوك الروسية، بالإضافة إلى بنكين آخرين، لتضاف إلى العديد من البنوك التي تم استبعادها بالفعل من نظام سويفت للمعاملات المالية، فضلاً عن حظر محطات تلفزيونية روسية من موجات الأثير الأوروبية.
 وستكون الخطة، إذا وافقت عليها حكومات الاتحاد الأوروبي، نقطة تحول لأكبر تكتل تجاري في العالم، والذي لا تزال دوله تعتمد على الطاقة الروسية.
 وإذا تمت الموافقة على الحظر، فسيحذو الاتحاد الأوروبي بذلك حذو الولايات المتحدة وبريطانيا بعد أن فرضتا حظراً على النفط الروسي من قبل لقطع أكبر إمدادات الدخل للاقتصاد الروسي. وكان الغرب يشتري أكثر من نصف ما يستهلكه من النفط الخام والمنتجات البترولية من روسيا.
وحسب تقرير صادر عن وكالة الطاقة، تعد روسيا ثالث أكبر دولة منتجة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية، إذ بلغ إجمالي الإنتاج الروسي من النفط 11.3 مليون برميل يومياً في يناير 2022، منها 10 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، و960 ألف برميل يومياً من المكثفات، و340 ألف برميل يومياً من سوائل الغاز الطبيعي. بجانب ذلك، تعتبر روسيا أكبر مصدر للنفط ومشتقاته في العالم، وثاني أكبر مصدر للنفط الخام بعد المملكة العربية السعودية بنحو 10.05 مليون برميل يومياً.
ففي ديسمبر 2021، صدرت روسيا 7.8 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية الأخرى يتم شحنها بشكل أساسي عبر خطوط الأنابيب وعن طريق الناقلات، وبلغ استهلاكها نحو 3.45 مليون برميل يومياً. 
ودفعت الحرب الروسية الأوكرانية أسعار النفط لتقفز فوق 139 دولاراً للبرميل، في السابع من مارس الماضي، لتصل إلى مستويات ذروة لم تشهدها منذ 2008، قبل أن تتراجع بعد ذلك. 
ويوم الجمعة الماضي ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت فوق 112.98 دولار للبرميل، في حين قفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 110.26 دولار للبرميل، والخامان سجلا ارتفاعاً للأسبوع الثاني على التوالي. 

تأثيرات مباشرة 
ينطوي الحظر الأوروبي للنفط الروسي على عواقب سلبية على اقتصاد الاتحاد الأوروبي من حيث ارتفاع أسعار الوقود، ويزيد من الضغوط التضخمية التي تعاني منها البلدان الأوروبية بالفعل.
وحسب يوروستات، التابعة للمفوضية الأوروبية، فإن معدل التضخم في منطقة اليورو سجل نسبة قياسية جديدة في مارس، بلغت 7.5% خلال عام. 
وعند سريان الحظر قد يصبح ملء خزان السيارة أكثر تكلفة، فأوروبا لا تستورد النفط الخام من روسيا فحسب، بل تستورد أيضاً منتجات النفط المكررة مثل الديزل لتزويد سيارات الركاب وتلك المستخدمة بالقطاع الصناعي بالوقود، ومن شأن استيراد الديزل من مناطق أبعد من روسيا زيادة تكاليف الشحن وبالتالي رفع الأسعار في محطات الوقود.
ففي ألمانيا على سبيل المثال، جاء 74% من واردات الديزل قبل الحرب من روسيا، وفقاً لبيانات من شركة إف.جي.إي إنرجي للاستشارات.
يشكل الخام الروسي خُمس النفط المكرر في أوروبا، حسب بيانات وكالة الطاقة الدولية. وتعتمد بعض المصافي التي تنتج وقوداً مثل البنزين ووقود الطائرات وغيرهما، مثل بي.سي.كيه شفيت ولوينا الألمانيتين، وكذلك مصافي في جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا وبولندا، على النفط الخام الروسي القادم عبر خط أنابيب دروجبا.
وشهدت الإمدادات عبر دروجبا تقلباً حاداً في السنوات القليلة الماضية، إذ وصلت الإمدادات إلى مليون ونصف المليون برميل يومياً، بينما انخفضت في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك فبراير، إلى حوالي 800 ألف برميل يومياً.
على الجانب من الآخر، هناك صعوبات لدى المصافي الأوروبية لاستبدال النفط الروسي، حيث يتم إعداد المصافي عادة للتشغيل بنوع معين من النفط الخام، مثل خام الأورال الروسي وهو خام تصدير من الدرجة الأولى. ويمكن مزج أنواع أخرى من النفط الخام من النرويج أو الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة أو غرب أفريقيا أو تجديد المصافي نفسها، ولكن هذا يمكن أن يغير إنتاجية المصفاة ويكلف المزيد من المال، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن.
وسيتعين الآن على المستهلكين التقليديين للنفط الروسي التنافس، ليس فقط فيما بينهم على واردات النفط البديلة، ولكن أيضاً مع عملائها الحاليين في آسيا.  ولا يمكن بسهولة إيقاف تشغيل مصفاة النفط لأن إعادة التشغيل عملية مكلفة ومعقدة. على الصعيد العالمي، تتقلص طاقة التكرير حيث يحاول العالم تقليل اعتماده على الوقود المستند إلى النفط. ويقدر مورجان ستانلي أن طاقة التكرير تقلصت بما يصل إلى 2.7 مليون برميل يومياً منذ بداية جائحة كورونا.
مع عودة النمو الاقتصادي تزامناً مع انتهاء عمليات الإغلاق، ارتفعت هوامش التكرير ارتفاعاً حاداً، مما يعني أن المصافي ستحاول ضخ أكبر قدر ممكن من الوقود في السوق.
مع ذلك، من المرجح أن تشهد مصافي التكرير التي تواجه أصعب مشكلات الإمداد، هوامش أقل لأن تكاليف الخام سترتفع، لذلك قد يبطئ المشغلون معالجته.

معارضة من الداخل
خطة المفوضية الأوروبية لحظر الطاقة الروسية واجهت معارضة شديدة من دول شرق الاتحاد الأوروبي، وأعربت عن القلق من أن حظر النفط الروسي لن يترك لها وقتاً كافياً للتكيف مع الوضع.
وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي لإجراء تغييرات على خطته للحظر المزمع في محاولة لكسب تأييد الدول المترددة، حيث منح المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك مزيداً من الوقت للتكيف مع الحظر، ومساعدة تلك الدول في تحديث البنية التحتية النفطية لديها.
الاقتراح المعدل يشمل أيضاً فترة انتقالية لمدة ثلاثة أشهر بدلاً من شهر قبل منع شركات الشحن في الاتحاد الأوروبي من نقل النفط الروسي.
وبذلك تتمكن المجر وسلوفاكيا من شراء النفط الروسي عبر خطوط الأنابيب حتى نهاية عام 2024، بينما قد تستمر جمهورية التشيك في شرائه حتى يونيو 2024، إذا لم تحصل على النفط عبر خط أنابيب من جنوب أوروبا في وقت مبكر.
غير أن المجر ستحتاج إلى خمس سنوات واستثمارات ضخمة في مصافي النفط وخطوط الأنابيب لتتمكن من تغيير نظامها الحالي الذي يعتمد نحو 65 بالمئة منه على النفط الروسي.وتتضمن خطط المفوضية الأوروبية فرض حظر على المشتريات ومنع قطاع الشحن في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي من التعامل مع النفط الروسي. 
وفي هذا السياق، طالبت قبرص واليونان ومالطا من الاتحاد الأوروبي أن يأخذ في الاعتبار مخاوفها من الحظر المزمع على النفط الروسي.
ولدى اليونان ومالطا وقبرص أكبر أساطيل الشحن في دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، وتستضيف مراكز كبيرة لإدارة عمليات الشحن.

تحفظ كبار المشترين
الحظر الأوروبي الفوري للنفط الروسي لاقى معارضة من كبار المستهلكين مثل اليابان والهند.
اليابان، تحفظت على لسان وزير اقتصادها كويتشي هاجيودا الذي قال، إن بلاده ستواجه «صعوبة» للتحرك على الفور لخفض واردات النفط الروسية، التي شكلت 4% من إجمالي واردات النفط اليابانية في السنة المالية الماضية التي انتهت في مارس. وبلغت واردات الغاز الطبيعي من موسكو تسعة بالمئة من إجمالي الواردات اليابانية، في حين بلغت واردات الفحم الروسي 11%.
أما الهند، فدافعت عن استمرار مشترياتها من النفط الروسي، قائلة إنها جزء من مسعى طويل الأجل لتنويع إمداداتها، ومجادلة بأن وقفاً مفاجئاً للواردات سيرفع الأسعار العالمية ويلحق ضرراً بالمستهلكين المحليين.
وتحت إغراء خصومات، اشترى ثالث أكبر مستورد للخام في العالم نفطاً من روسيا منذ أن الحرب في أوكرانيا أكثر من ضعفي ما اشتراه في عام 2021 بكامله، في الوقت الذي دفعت عقوبات غربية كثيرين من مستوردي النفط إلى تحاشي التجارة مع موسكو.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©