الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
محمد كركوتي يكتب: أزمة الحبوب من سيئ إلى أسوأ
محمد كركوتي
8 مايو 2022 01:14

تمكنت أزمة الحبوب العالمية الراهنة من المشهد الغذائي العام. هذه الحقيقة تتكرس يوماً بعد يوم، نتيجة الاضطرابات المتسارعة في إنتاج وتصدير الحبوب بأنواعها، في ظل الحرب بين روسيا وأوكرانيا. هذان البلدان اللذان كانا ضمن كيان واحد في يوم من الأيام، يتقدمان بلدان العالم في الميدان الغذائي الحيوي، من حيث الصادرات. فموسكو وكييف تشكلان معاً 30% من تجارة القمح العالمية، ناهيك عن الحبوب الأخرى الأساسية مثل الذرة، وزيوت الطهي. في حين أن المخاطر شملت تلقائياً تجارة الأسمدة، حيث تُعد روسيا وحليفتها روسيا البيضاء ومعهما أوكرانيا جهات دولية رئيسية في هذا المجال المتصل في زراعة مجموعة كبيرة من المحاصيل الزراعية. الأضرار الناجمة عن الحرب الدائرة في أوروبا شملت الإنتاج بكل خطوطه، مثلما شملت التصدير بكل أدواته وأذرعه.
المشكلة المتفاقمة حالياً تضرب بالدرجة الأولى عشرات الدول التي تعتمد في إمداداتها من الحبوب من هذين البلدين، من بينها لبنان وجيبوتي ومولدوفا وليبيا وتونس وباكستان وغيرها، وهي لا تنحصر في نقص إمدادات الحبوب فحسب، بل تشمل أيضاً الارتفاع الفلكي لأسعارها. ففي الشهر الماضي زادت الأسعار بنسبة 77%، ما أضاف مزيداً من الأعباء المالية على كاهل الحكومات التي تعاني بلدانها أصلاً تردي أوضاعها الاقتصادية، بفعل تداعيات جائحة «كورونا»، التي لم تنتهِ آثارها بعد. وهذا ما يفسر تحذيرات رئيس برنامج الأغذية العالمي ديفيد بيسلي، من أن عدد الأشخاص الذين يواجهون مجاعة محتملة، ارتفع من 80 مليوناً إلى 276 مليون نسمة في أربع سنوات، بسبب ما أسماه «عاصفة كاملة» من الصراعات، والتغير المناخي، و«كورونا»، والآن الحرب الروسية الأوكرانية.
ومن الجوانب المرعبة أيضاً، أن عشرات ملايين الأطنان من الحبوب وزيوت الطعام وحتى السماد، جاهزة للتصدير من أوكرانيا، إلا أن الموانئ التي تمر عبرها باتت مغلقة تماماً، في حين أن عمليات النقل البري لم تشكّل بديلاً عملياً حتى الآن، وذلك بسبب المخاطر الناجمة عن العمليات العسكرية الدائرة. الأمن الغذائي العالمي بشكل عام بات في خطر، وإمدادات الحبوب تمثل المحور الأخطر حالياً، ما يطرح سؤالاً حول وضعية الأمن الغذائي الدولي، وآفاق هذا الأمن، ليست من جهة الإمدادات فقط بل من ناحية الأسعار التي رفعتها موجة تضخمية لم تترك بلداً من آثارها المخيفة، في حين تحاول الحكومات السيطرة عليها بأي شكل لكن من دون أي فائدة حتى اليوم.
هناك دول لن تكون قادرة على توفير الحبوب في مرحلة لاحقة لشعوبها، وهو أمر ليس مبالغ فيه، ما دفع الجهات الدولية إلى التحذير من نشوب اضطرابات سياسية مدفوعة من نقص السلع الغذائية بشكل عام، لاسيما الرئيسية منها. ويبدو واضحاً، أن أطراف المواجهة العسكرية الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية، لا يزالون بعيدين عن حلول لها، وكذلك عن تسوية توقف النزيف الاقتصادي والبشري والغذائي. فمخاطر أزمة الغذاء تتقدم حتى على مخاطر أزمة الطاقة التي ظهرت أيضاً، وأظهرت معها مدى فشل الأوروبيين في وضع استراتيجية لها.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©