الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الاستثمار في المستقبل ضرورة لإنقاذ كوكبنا
أولافور غريمسون
5 مايو 2022 00:54

ظلت الجبال الجليدية في القطب الشمالي راسخة وشامخة ببهائها لآلاف السنين، لتصبح في عصرنا الحالي مهددة بالزوال.
لقد كنت أشاهد عاماً بعد عام كيف ينحسر جبل فاتنايوكول، أكبر جبل جليدي في آيسلندا، وهو في الحقيقة المصير الذي تواجهه تقريباً جميع الجبال الجليدية في آيسلندا، حيث يتوقع العلماء احتمال أن تختفي كلياً في غضون 100 إلى 200 عام.
إن لذوبان الكتل الجليدية تأثيراً على العالم بأسره. فللقطب الشمالي دور في ضبط درجة حرارة العالم، وكلما تفاقمت مسألة ذوبان الكتل الجليدية، ارتفع معدل درجة الاحترار العالمي. فذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي يتسبب في شتاء بارد بتكساس، وتزايد الأمطار الموسمية في الهند وعدم القدرة على التنبؤ بها. كما يتسبب هذا الذوبان في ارتفاع مستوى سطح البحر، حيث يتوقع بعض الخبراء أن ترتفع مستويات المحيطات بمقدار 23 قدماً بحلول عام 2100، وهو ما سيؤدي إلى تدمير المدن الساحلية.
قد يعتبر ما يتعرض له القطب الشمالي نتيجة لأزمة التغير المناخي التي تسببت بها الأنشطة البشرية، إلا أنه يمثل أيضاً مصدر إلهام كبير في مساعينا للتصدي للتغير المناخي.
على مستوى آيسلندا، استطعنا التحول من الاعتماد على النفط والفحم الحجري بنسبة 80% لتلبية احتياجاتنا من الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، إلى الاعتماد بشكل كامل على مصادر طاقة حرارة جوفية ومائية نظيفة، لنثبت أنه بالإمكان تحقيق تحول كامل في قطاع الطاقة في غضون 40 عاماً فقط، وأنه بمقدور المدن الاعتماد على الطاقة النظيفة. وقد لمسنا مدى تأثير هذا الاستثمار على مستوى البيئة والاقتصاد معاً. فقد ساهم التحول نحو طاقة منخفضة الكربون في تفادي إطلاق ملايين الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن دعم نمو الاقتصاد بشكل كبير.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن اختيار «الاستثمار في كوكبنا» عنواناً لفعالية يوم الأرض مناسباً جداً للواقع الحالي. فالاستثمار في الطاقة المتجددة والحلول المستدامة الهادفة للحفاظ على سلامة الهواء والأراضي ومصادر المياه لا يساهم في إنقاذ الأرواح والتنوع البيولوجي في الكوكب وحسب، بل ويدعم أيضاً نمو الأعمال والاقتصاد. فمن شأن ابتكار تقنيات جديدة، وتشييد مبان خضراء، وإدارة الأعمال وفق أسس مستدامة، والحد من استهلاك الطاقة، أن يجعل جميع الشركات والدول تقريباً أكثر ربحية.
وقد شدد تقرير صدر مؤخراً عن «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ» على الحاجة إلى تعزيز هذه الاستثمارات. وعلى الرغم من رسم التقرير لصورة قاتمة حول المخاطر التي تواجه العالم، إلا أنه يوضح أيضاً سبلاً للمضي قدماً، مؤكداً على أهمية أي جهود تبذل لخفض كل جزء من درجة الاحتباس الحراري.
وبناء على ذلك، ينبغي علينا مواصلة العمل والالتزام بتعزيز الاستثمار في هذا المجال. فكل دولار نستثمره في حماية الطبيعة، يعود علينا بفائدة مضاعفة خمسة مرات. وأن الاستثمار في التنمية المستدامة هو السبيل الوحيد لوضع حد لأزمة المناخ المتواصلة.
ولسوء الحظ، فقد تبين بعد مؤتمر المناخ (COP21) الذي عقد في باريس، بأن التحرك على الصعيدين السياسي والدبلوماسي سيسير ببطء ولن يكون قادراً على إحداث التأثير المطلوب. وبالتالي، فإن الأمل الوحيد لتحقيق تغيير ملموس وسريع يكمن من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة والنظيفة، ويتمثل في جهود الرواد الملتزمين بإنتاج حلول مبتكرة تستند إلى العلم وتتميز بأنها حلول عملية في الوقت نفسه، ذلك أن أصحاب الرؤى المستدامة هم من يصنعون التغيير المنشود.
وتعتبر جائزة زايد للاستدامة، التي يشرفني أن أكون رئيساً للجنة حكامها، من الجهات الملتزمة بالاستثمار في إمكانات هؤلاء الرواد الذين يطورون حلولاً مستدامة تهدف إلى بناء مستقبل أفضل للبشرية.
وتكرم هذه الجائزة العالمية، التي تستقبل حالياً طلبات المشاركة في دورتها المقبلة، الشركات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات غير الربحية والمدارس الثانوية التي تطور حلولاً مستدامة تمتلك مقومات الابتكار والتأثير والإلهام في مجالات الطاقة والغذاء والصحة والمياه والمدارس الثانوية العالمية. وتبلغ قيمة الجائزة الإجمالية 3 ملايين دولار أميركي موزعة بالتساوي بين الفئات الخمس، حيث يحصل فائز واحد من بين الشركات أو المنظمات المرشحة عن كل فئة على 600 ألف دولار أمريكي، فيما يتم توزيع جائزة المدارس الثانوية على 6 مدارس بواقع 100 ألف دولار لكل مدرسة فائزة من 6 مناطق جغرافية هي الأمريكيتان، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجنوب آسيا، وأوروبا وآسيا الوسطى، وشرق آسيا والمحيط الهادئ، وتُخصص منحة الجائزة لتنفيذ مشروع مقترح في مجال الاستدامة يقوده الطلاب.
تستثمر جائزة زايد للاستدامة في الجهود التي يبذلها صانعو التغيير الذين يبتكرون الحلول اللازمة لتجنب آثار أزمة المناخ الأكثر سوءاً، ويسهمون في نشر هذه الحلول على نطاق واسع.
إن وجود مبادرات مثل جائزة زايد للاستدامة، تجعلنا نتفاءل بمستقبل أفضل. فثمة العديد من التقنيات المؤثرة التي تنتظر تسليط الضوء عليها وتوسيع نطاق انتشارها، والتي يقوم بتطويرها مبتكرون ورواد أعمال شباب، ويسهمون بذلك بالدور الأكثر أهمية في جهود مكافحة التغيّر المناخي. 


 أولافور غريمسون، رئيس أيسلندا السابق ورئيس لجنة تحكيم جائزة زايد للاستدامة

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©