حسونة الطيب (أبوظبي)

بعد سنوات من تصريحات شركات صناعة السيارات، والخطط على الورق، خضع القطاع لتغييرات سريعة، في الوقت الذي ربطت فيه هذه الشركات، مستقبلها بالسيارات التي تعمل بالكهرباء. وعم الارتفاع غير العادي في الطلب، أرجاء العالم بأسره، من شنغهاي في الصين إلى شتوتجارت في ألمانيا ومن طوكيو اليابانية إلى تورنتو الكندية، ومن المؤسسات الناشئة، إلى الشركات الكبيرة الراسخة.
وتظهر زيادة الطلب، جلية خاصة في أوروبا، حيث تم بيع واحدة من بين كل 12 سيارة كهربائية في الفترة بين أبريل إلى يونيو. وفي حال أضفنا السيارات الهجينة، التي تجمع بين الكهرباء والوقود، يرتفع العدد إلى نحو واحدة من بين كل 3 سيارات. وقفزت مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا، من واقع 198 ألفاً في 2018، إلى نحو 1.17 مليون متوقعة خلال العام الجاري، بحسب «فاينانشيال تايمز». 
ما زالت السيارات الكهربائية، تشكل 1% فقط من أسطول السيارات الخصوصية في العالم، ولكن تشهد مبيعاتها ارتفاعاً ملحوظاً وسريعاً. ومن المتوقع في غضون 4 سنوات، أن تشكل مبيعات السيارات الكهربائية نحو 25% في الصين وما يقارب 40% في ألمانيا. كما من المرجح، بلوغ المبيعات العالمية من السيارات التي تعمل بالكهرباء، 10.7 مليون بحلول 2025 ونحو 28.2 مليون بحلول 2030. وحتى وقت قريب، كانت السيارات الكهربائية، تمثل بالنسبة للكثيرين، أحد اختراعات المستقبل، بيد أنها باتت الآن ضمن خيارات اقتناء السيارة التالية، بحسب بلومبيرغ أن إي أف. 
وبوضع أهمية صناعة السيارات بالنسبة لمعظم اقتصادات العالم في الاعتبار، ينجم عن حالة التغيير التي تجتاح القطاع، تعقيدات جمة بالنسبة للوظائف والتنمية الريفية وحتى العمليات الجيوسياسية.
وينصب معظم الاهتمام بالسيارات الكهربائية، في النجاح الباهر الذي حققته شركة تيسلا، أو مجموعة الشركات الصينية، التي تبذل جهوداً حثيثة في هذا الاتجاه. ولكن يتركز التحول الأكثر أهمية خلال العام أو العامين الماضيين، في استجابة الشركات الكبيرة. 
وتربط العديد من شركات صناعة السيارات العالمية، من فورد التي تنتج طراز أف 150، إلى فولكس فاجن بسلسلة آي دي، مستقبلها بالسيارات الكهربائية. وفي معرض ميونيخ للسيارات، أول معرض كبير يقام في أوروبا منذ سنتين بسبب جائحة «كوفيد - 19»، تكاد أجنحته تخلو من أي موديل جديد لسيارات تعمل محركاتها بالاحتراق الداخلي.
وقد تمكن قطاع السيارات التي تعمل بالكهرباء، من جذب استثمارات بنحو 100 مليار دولار منذ بداية عام 2020، بحسب وكالة ماكينزي البحثية. ولكنها ضربة البداية فقط، حيث أعلنت الشركات المصنعة، عن استثمارات قدرها 330 مليار دولار في تقنية الكهرباء والبطاريات على مدى الـ5 سنوات المقبلة، وهو المبلغ الذي قفز 40% خلال الـ12 شهراً الماضية، وفقاً لمؤسسة أليكس بارتنرز الاستشارية.
وتخطط العديد من شركات صناعة السيارات الكبيرة، للتخلي عن إنتاج السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي، حيث أعلنت ديلمر بدءاً من منتصف العقد الحالي، عن تحويل الأنظمة المستخدمة في صناعة سيارة مرسيدس، لإنتاج سيارات تعمل بالكهرباء. 
وساعدت القوانين المتعلقة بالانبعاثات في أوروبا، في حدوث الموجة الأولى الكبيرة من مبيعات السيارات الكهربائية حول القارة، التي بلغت نحو 734 ألفاً في 2020، أي ضعف مستوى مبيعات 2019 وما يتجاوز مبيعات الـ3 سنوات الماضية مجتمعة، بصرف النظر عن الظروف المصاحبة لانتشار الوباء. وتبدو السيارات الكهربائية، من بين أكثر الطرق الطموحة لتقليل انبعاثات الكربون. 
وأعلنت المملكة المتحدة، عن خطط ترمي لوقف بيع السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل نهائياً بحلول عام 2035، بينما تسبقها النرويج في تاريخ مبكر عند 2025 وكذلك اقتراح الاتحاد الأوروبي بحظر استخدامها بحلول 2035. وتصحب هذه الالتزامات، تعهدات بالمساعدات المالية وتوفير محطات الشحن، لتشجيع المزيد من الناس لاقتناء هذا النوع من السيارات.
ومن بين الإجراءات المشجعة، تخصيص بعض سلطات المدن، شوارع للسيارات الكهربائية فقط مثل، منطقة الانبعاثات المنخفضة في لندن، التي تفرض غرامات على سير السيارات القديمة فيها، والتي تم توسيعها لتشمل الطرق الدائرية، ليتم بذلك حرمان نحو 2.6 مليون سيارة غير مطابقة للمواصفات، من المرور عبر هذه الشوارع. وتنظم مدن مثل أمستردام وبروكسل وباريس، مشاريع مماثلة، بينما يتم حظر سيارات الديزل القديمة من المرور في وسط المدن الألمانية. 
ويعود السبب الأكبر لثورة السيارات الكهربائية في السوق، لوفرتها وملاءمتها لمعظم المشترين والتي تتراوح بين الصغيرة والأسرية الكبيرة. ورغم أن سعر العديد منها، يتجاوز سعر السيارات التي تعمل محركاتها بالاحتراق الداخلي، إلا أنها تتميز بتكلفة تسيير أقل. ويوجد في الوقت الحالي، ما يقارب 330 طرازاً من السيارات الكهربائية والهجينة مطروحاً للبيع في الأسواق حول العالم، بالمقارنة مع 86 فقط قبل 5 سنوات، ومن المرجح أن يقفز العدد إلى نحو 500 بحلول 2025. 
وبينما توقفت معظم شركات صناعة السيارات، عن الإنفاق في محركات الاحتراق الداخلي إبان انتشار وباء «كورونا»، حظيت السيارات الكهربائية بزيادة واضحة. ورغم ارتفاع المبيعات في كل من أوروبا والصين، إلا أن أسواقهما تعتمد بشدة على مشاريع التحفيز الحكومية. 
وربما يؤدي هذا التغيير السريع إلى حدوث تغييرات جذرية في سوق صناعة السيارات، خاصة أن السيارات الكهربائية تتميز بسهولة صناعتها وتصميمها بالمقارنة مع السيارات التقليدية، ما يهدد سيطرة الشركات الكبيرة المعروفة بدخول لاعبين جدد مثل «تيسلا».