حسام عبدالنبي (دبي)

يواجهة العالم عمليات غسل الأموال   بسن المزيد من القوانين لوقف تدوير الأموال القذرة  الناتجة عن أعمال مشبوهة أو جرائم مالية  ،  فعمليات غسل الأموال لها تأثير شديد السلبية على الاقتصاد، إضافة إلى أن تصنيف دولة ما بأنها عالية المخاطر فيما يخص غسل الأموال، له تأثيرات طائلة على سمعتها ومكانتها الدولية ويحد من وصولها إلى النظام المالي العالمي.
وقبل سنوات، وضعت دولة الإمارات منظومة متكاملة لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، محددة بدقة أهم الالتزامات الدولية والقوانين والقرارات المرتبطة بها، وما يترتب عليها من التزامات على القطاعين العام والخاص.
وجاء حرص الإمارات على تطبيق تلك المنظومة من أجل التصدي بكل حزم لجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، للحفاظ على السمعة الإيجابية المرموقة التي يتمتع بها الاقتصاد الوطني عالمياً، ولضمان تعزيز دور دولة الإمارات كعنصر فاعل في المجتمع الدولي، وترسيخ مكانتها مركزاً اقتصادياً تنافسياً يطبق أعلى معايير النزاهة والشفافية في مجال الرقابة المالية والتجارية ومواجهة الممارسات غير السليمة في أنشطة الأعمال.
جريمة غسل الأموال، هي مجموعة عمليات مالية تهدف لإخفاء المصدر غير المشروع للأموال، وإظهارها في صورة أموال متحصلة من مصدر مشروع. وخلف كل محاولة غسل الأموال جنحة أو جريمة أو مجموعة جرائم قد ترقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، حصل من خلالها المجرمون على تلك الأموال، ويحاولون أن يدخلوها في النظام المالي الرسمي للدولة المستهدفة بعمليات تهدف لإخفاء مصدرها، ومن ثم إضفاء صفة المشروعية عليها.
ويمكن القول إن جريمة غسل الأموال أولاً وقبل كل شيء، فعل لا أخلاقي، مرتبط بجرائم وفظائع تدمر الإنسان والمجتمعات، كتجارة المخدرات وتهريب البشر والاتجار بهم وتجارة السلاح غير المشروع واستغلال الأطفال، وغيرها من الجرائم التي يبلغ عددها 21 جريمة، بحسب تصنيف مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)، وأي دعم أو تسهيل لعمليات غسل الأموال هو دعم للجريمة والمخدرات والعنف والفساد.

  •  صفية الصافي
    صفية الصافي

مواجهة الجريمة
تمثل جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب هاجساً يقلق معظم اقتصادات العالم، خاصة اليوم مع دخول التقنيات الرقمية الحديثة في القطاع المالي وأنشطة التجارة والاستثمار ومزاولة الأعمال، ما وفر لغاسلي الأموال أدوات جديدة وأنظمة معقدة لمحاولة ارتكاب جرائمهم، فيما تعمل الدُّول، بالتعاون مع المنظمات العالمية ذات الصلة، على وضع تشريعات وأنظمة تضمن التصدي لهذه الجرائم بأفضل الصور الممكنة، ومتابعة فعاليتها.
ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن عمليات غسل الأموال لها تأثير شديد السلبية على الاقتصاد، إذ تؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الحقيقي وزعزعة النظام المالي والمصرفي وعدم استقرار الأسعار، وإضعاف القطاعات الحيوية والإنتاجية، وخلل في تركز الثروة وتوزيع الدخل القومي.
إلى ذلك، يؤدي تصنيف دولة ما بأنها عالية المخاطر فيما يخص غسل الأموال، إلى الحد من وصولها إلى النظام المالي العالمي وزيادة تكلفة ووقت المعاملات المالية وسوء سمعة الاقتصاد، وبالتالي انخفاض تنافسية الأسواق وتراجع التجارة والتصدير، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وانسحاب الشركات والمؤسسات المالية العالمية من السوق، وزيادة العبء على الأفراد والمؤسسات في التعاملات المالية والتجارية والاستثمارية مع الخارج، وقد يؤدي إلى العقوبات والأزمات المالية والاقتصادية.

جهود الإمارات
تعد دولة الإمارات، من الدول السباقة في بناء منظومة متكاملة لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، من أبرز مكوناتها المرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2018 في شأن مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة، ولائحته التنفيذية والقرارات ذات الصلة، فضلاً عن تطوير عدد من الأنظمة الإلكترونية والإجراءات المؤسسية والإدارية التي تضمن تنفيذ القانون وتحقيق الرقابة وفق أفضل المعايير والممارسات العالمية، مثل نظام وحدة المعلومات المالية goAML ونظام الإبلاغ الآلي لقوائم العقوبات. وتحرص الجهات الحكومية المعنية على مواصلة تقييم أداء هذه الآليات والتحقق من فعالية الإجراءات التي وضعتها الدولة وتحسينها بصورة مستمرة. كما أن التعاون مع الجهود الحكومية لمواجهة غسل الأموال هو واجب وطني، وعمل أخلاقي، ومتطلب قانوني، وضرورة اقتصادية، ومصلحة تصب في حماية الأعمال والاستثمارات وتساهم في نموها وازدهارها.

دور حكومي
يتمثل دور وزارة الاقتصاد في جانب مواجهه غسل الأموال، في قيامها بالإشراف على «قطاع الأعمال والمهن غير المالية المحددة» داخل الدولة وفي المناطق الحرة، والذي يضم كلاً من: الوسطاء والوكلاء العقاريين، تجار المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، مدققي الحسابات، مزودي خدمات الشركات. 
ويتماشى تحديد هذا الفئات مع المعايير الدولية التي أصدرتها مجموعة العمل المالي (فاتف) باعتبار هذه الأنشطة ذات طبيعة عالية المخاطر وعادة ما يلجأ إليها غاسلو الأموال وشركاؤهم لتمرير عملياتهم المشبوهة. وتسعى الوزارة إلى تعزيز الفهم ورفع الوعي لدى منشآت هذا القطاع بمخاطر غسل الأموال وأساليبه وسبل الحماية منه، وبأهمية التعاون مع الرقابة الحكومية في هذا السياق لحماية استثمارات الشركات وأعمالها، وكذلك بضرورة الامتثال للقوانين وتنفيذ متطلبات التشريعات والقرارات ذات الصلة.
وتركزت جهود الوزارة التوعوية خلال الفترة الماضية، على تسجيل المنشآت المستهدفة في نظام وحدة المعلومات المالية، حيث تم تسجيل أكثر من 13 ألف منشأة، بنسبة امتثال لمتطلب التسجيل بلغت 70%. وإلى ذلك، تحث وزارة الاقتصاد المنشآت المدرجة في نظام وحدة المعلومات على الاستخدام الفاعل لهذه المنصة الرقمية، لرفع تقارير المعاملات المشبوهة Suspicious Transaction Reports (STRs) وتقارير الأنشطة المشبوهة Suspicious Activity Reports (SARs) بما يعزز قدرة الجهات الرقابية على تحليل وتقييم المخاطر واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة بناء عليها، داعية المنشآت التي لم تسجل حتى الآن بضرورة المسارعة للتسجيل ورفع تقارير المعاملات والأنشطة المشبوهة عبر النظام، تجنباً للمخالفات التي قد تصل إلى 5 ملايين درهم غرامة، أو إيقاف الرخصة، أو إغلاق المنشأة.

وحدة رقابية
طورت وزارة الاقتصاد وحدة إدارية متخصصة بالرقابة ضمن إدارة غسل الأموال في الوزارة، تعنى بالتفتيش والرقابة على قطاع الأعمال والمهن غير المالية المحددة، وتشمل الوكلاء والوسطاء العقاريين، وتجار المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، ومدققي الحسابات، ومزودي خدمات الشركات.
وهناك 5 متطلبات رئيسية يتوجب على المنشآت تطبيقها، وهي: التسجيل في أنظمة مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، تعيين مسؤول امتثال مؤهل وذي صلاحيات مناسبة، وكذلك التأكد من قيام المنشأة بدراسة داخلية لمخاطر غسل الأموال الخاصة بها، واتخاذ إجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء؛ من حيث جمع معلومات «اعرف عميلك» وتحديد تصنيف للمخاطر لجميع العملاء وغير ذلك، وأخيراً توفير تدريب مناسب للموظفين المعنيين، بما يغطي المتطلبات العامة لمواجهة غسل الأموال، ويأخذ في الاعتبار طبيعة الأنشطة التجارية للمنشأة. 
وتؤدي مخالفات متطلبات مواجهة غسل الأموال أو متطلبات المستفيد الحقيقي إلى غرامات إدارية تتراوح بين 50 ألف درهم ومليون درهم إماراتي. كما أن المخالفات الجنائية لتشريعات مواجهة غسل الأموال قد تؤدي إلى أحكام قضائية بالسجن و/ أو غرامات إدارية تتراوح بين 50 ألف درهم و5 ملايين درهم، إضافة إلى بقية الغرامات الواردة في التشريعات والقرارات النافذة.

المستفيد الحقيقي
وأطلقت وزارة الاقتصاد قبل أيام حملة جديدة تهدف لتنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 58 لسنة 2020 في شأن تنظيم إجراءات المستفيد الحقيقي، وهو أحد المتطلبات الرئيسية لاستكمال حلقة الإفصاح والشفافية للمنشآت والأفراد ضمن منظومة مواجهة غسل الأموال في الدولة.
ويساهم توفير بيانات المستفيد الحقيقي لمنشآت القطاع الخاص في تطوير أنظمة الحوكمة والإفصاح في بيئة الأعمال بالدولة، ما يعني حماية أكبر من الجرائم المالية وغسل الأموال والغش التجاري، وبالتالي تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني وفق مبادئ الشفافية والمرونة وبما يواكب المعايير الدولية.
ويستهدف قرار المستفيد الحقيقي جميع المنشآت المرخصة والمسجلة في دولة الإمارات، لدى سلطات الترخيص المحلية، أو في المناطق الحرة غير المالية، ويستثنى منها الشركات المملوكة للحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية أو التابعة لها، والشركات المدرجة في المناطق الحرة المالية، وهي سوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي. ويبلغ إجمالي المنشآت في جميع إمارات الدولة 513 ألف منشأة تتبع لـ 38 جهة ترخيص. 
ومن المقرر ابتداءً من 1 يوليو 2021 بدء تطبيق المخالفات المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم 53 لسنة 2021 في شأن الجزاءات الإدارية المترتبة على مخالفي قرار تنظيم إجراءات المستفيد الحقيقي، والتي تبدأ بالإنذار الكتابي وتصل في حال التكرار وعدم الامتثال إلى 100 ألف درهم، فضلاً عن جزاءات إدارية إضافية مثل إيقاف الرخصة لمدة سنة أو تقييد صلاحيات مجلس الإدارة وغيرها.
 وجاء قرار مجلس الوزراء رقم 58 لسنة 2020، ليعرف المستفيد الحقيقي بأنه الشخص الطبيعي الذي يمتلك المنشأة أو يسيطر عليها بشكل نهائي، من خلال حصص أو أسهم ملكية مباشرة أو غير مباشرة بنسبة 25% أو أكثر من رأسمال المنشأة، أو له حق التصويت بنسبة 25% أو أكثر، أو حق تعيين وعزل أغلبية مديري المنشأة، أو أي وسائل أخرى يمارس من خلالها السيطرة النهائية على المنشأة، أو الشخص الطبيعي الذي يشغل منصب مسؤول الإدارة العليا.
ويتوجب على المنشآت تعيين شخص مقيم في الدولة يمكن لجهة الترخيص التواصل معه فيما يتعلق ببيانات المستفيد الحقيقي والبيانات الأساسية للشركة. ومن الضروري أن تتخذ هذه المنشآت خطوات كافية لضمان الشفافية والحصول على معلومات دقيقة بشأن المستفيد الحقيقي وتحديث المعلومات الموجودة في السجلات بشكل مستمر.

رسالة للقطاع الخاص
توجه صفية الصافي، مديرة إدارة مواجهة غسل الأموال في وزارة الاقتصاد، رسالة إلى القطاع الخاص، وتحديداً الأعمال والمهن غير المالية المحددة في الدولة قائلة: «اعرفوا عملاءكم، واحموا استثماراتكم من خلال الامتثال للمتطلبات القانونية، طوروا أنظمتكم الداخلية بما يعزز قدرتكم على تحديد مصادر غسل الأموال ورصد المعاملات المشبوهة والإبلاغ عنها».
وأكدت الصافي أن التسجيل في أنظمة مواجهة غسل الأموال خطوة رئيسية وإلزامية، ولكنها خطوة أولى، ترافقها العديد من الخطوات الجوهرية الأخرى، من أهمها استخدام هذه الأنظمة للإبلاغ، واتخاذ تدابير العناية الواجبة تجاه العملاء، وتوفير بيانات المستفيد الحقيقي، مختتمة بالإشارة إلى أهمية التواصل المستمر مع الجهات الحكومية ومتابعة توجيهاتها.