حينما بدأت في كتابة وجهة نظري الشخصية كمراجعة لأحداث عام 2020 وما تم فيه، تواردت العديد من الأفكار إلى ذهني، حيث مثّل عام 2020 فترة مليئة بتحديات واستثناءات، أقل ما يقال عنها إنها غير مسبوقة، تمثلت بشكل أساسي في جائحة كوفيد-19 وتداعياتها التي أثرت على الشركات والقطاع الحكومي والخاص والجميع بشكل عام. 
وفي حين نظر البعض إلى الوضع على أنه نهاية العالم، كنا نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة، نقوم بمباشرة الأعمال ونتطلع إلى المستقبل بالمزيد من التفاؤل لوجود العديد من الفرص المتاحة ضمن النظام العالمي المتطور. 
إن موضوع الوباء وحجمه وتأثيره قد نوقش باستفاضة وهو ليس موضوعي هنا؛ إنما أهدف إلى التركيز على تقييم التغيير الذي حدث وما هي الخطوات التالية، وهو ما سأحاول تغطيته في هذا الموجز. 
ولن أتطرق إلى إحصائيات تفصيلية وإنما سأذكر أبرزها من خلال استعراض الحالة الاقتصادية ونظرتنا المستقبلية وعرض بعض الإحصائيات الأساسية.
تمت دراسة كافة الاضطرابات والآثار المترتبة على الوباء حول العالم، حيث مازال ينتشر ويتحور مما أدى إلى ظهور حالات جديدة وتحديد مناطق حمراء أخرى من العالم. وعلى الرغم من استمرار انتشار الفيروس في أجزاء مختلفة من العالم، فإن الوتيرة السريعة لعملية التطعيم بالدولة تعطي انطباعاً جيداً حول قرب عودة الحياة إلى طبيعتها، حيث تسير هذه العملية على الطريق الصحيح للوصول إلى تطعيم أكثر من 50% من السكان بحلول مارس 2021. 

عودة النمو
في حين ننتظر الأرقام النهائية للناتج المحلي الإجمالي العالمي والناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات لعام 2020، فمن المتوقع أن يكون هناك انخفاض في حدود %3.5 و6% تقريباً. لكن المبشر هو أن هناك حالة من التفاؤل والتي تشير إلى عودة النمو في عام 2021. 
وقد شوهدت العلامات المبكرة لهذا النمو في أواخر النصف الثاني من عام 2020 مع عودة وتيرة انتعاش التجارة العالمية وتلاشي عوائق الحماية في التنقلات. 
إن الأداء الإيجابي للصين والجهود المنسقة من قبل الحكومات في جميع أنحاء العالم يعني أن الأمور تسير في الطريق الصحيح نحو عودة الحياة إلى طبيعتها.

بيانات البنوك والموسسات المالية 
في حين أن دولة الإمارات شهدت تراجعاً في أرقام عام 2020، إلا أن البيانات المالية للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى للسنة المنتهية في 31 ديسمبر 2020 مشجعة للغاية وتظهر المرونة التي بناها النظام المصرفي بمرور الوقت، فقد زاد إجمالي الأصول والودائع والإقراض للنظام المصرفي، وإن كان ذلك بشكل طفيف. 
كما أن معدلات كفاية رأس المال أعلى من المستويات المطلوبة (18.2% ومعدل كفاية الشق الأول من رأس المال 17.1%)، وتبلغ السيولة 18.4%، مع وجود مستويات ملائمة وكافية من المخصصات تعني أن البنوك والمؤسسات المالية في دولة الإمارات العربية المتحدة قد أظهرت صلابة وثباتاً في مواجهة الأزمة. 
وقد شهدت أرباح بعض البنوك انخفاضاً، إلا أن ذلك نتيجة طبيعية لعام استثنائي، وانخفاض الأرباح أفضل من الرغبة في القيام بأعمال غير مدروسة تؤثر بشكل أساسي على الملاءة المالية للبنوك. 

استقرار النظام النقدي والمالي والمصرفي 
لقد كان لمصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي دور أساسي في استقرار النظام النقدي والمالي والمصرفي بالدولة خلال الأزمة عن طريق التدخل السريع في الوقت المناسب من خلال خطة الدعم الاقتصادي الشاملة الموجهة، والعديد من التسهيلات التنظيمية الأخرى التي وفرت الدعم اللازم وساعدت البنوك على أداء دورها بشكل أكثر فعالية ودون ضغوطات خلال أوقات صعبة للغاية ومليئة بالتحديات. كما قامت حكومة دولة الإمارات باتخاذ العديد من التدابير الناجحة لتسهيل ممارسة الأعمال التجارية والتخفيف من الرسوم والتكاليف لضمان استمرار زخم النشاط التجاري. 
وتعد الاستفادة من خطة الدعم الاقتصادي الشاملة الموجهة والتي انخفضت الآن إلى حوالي 50% من وقت الذروة، مؤشراً قوياً على أن البنوك تعود الآن تدريجياً وبسلاسة إلى إمكانياتها وقدرتها لإدارة محافظها الائتمانية وتحديد أهدافها المستقبلية. 
وبنهاية عام 2020، تسلم مصرف الإمارات المركزي طلبات من البنوك للموافقة على توزيعات أرباح بقيمة تزيد على 15 مليار درهم، وبعد التأكد من التزام تلك البنوك بالمتطلبات الإشرافية، تمت الموافقة مباشرةً على توزيعات الأرباح مما سيوفر سيولة نقدية في السوق لأصحاب الأسهم، سواء كانوا هيئات ومؤسسات حكومية وخاصة أو أفراداً، وبالتالي تحفيز المزيد من الاستثمارات وزيادة دورة الإنفاق في الدولة.

مؤشرات إيجابية مشجعة 
وبنهاية شهر ديسمبر 2020، كان هناك عدد من المؤشرات الإيجابية المشجعة للغاية تمثلت في عودة أسواق الأسهم تدريجياً إلى طبيعتها، كما كان هناك عدد من إصدارات السندات والصكوك مع عودة النشاط في أسواق رأس المال. وفي حين ظل التضخم في النطاق السلبي، إلا أنه كان هناك المزيد من ثقة المستهلك وبدأ الإنفاق يعود إلى مستوياته الطبيعية. 
كما تم التحقق من علامات الانتعاش في الربع الرابع من عام 2020 من خلال عدد من المؤشرات والتي توضح ارتفاع مؤشر المشتريات أعلى من 50 نقطة، كذلك ارتفاع معدلات التوظيف بالدولة في شهر ديسمبر بنسبة 1.7% على أساس شهري، طبقاً لمؤشر نظام حماية الأجور الصادر عن المصرف المركزي. 
وأظهرت أسعار مبيعات العقارات، التي كانت متوقفة بالنسبة للبعض، زيادة على أساس شهري من حيث التقييمات وعوائد الإيجار. 
لا يزال النشاط الاقتصادي ضعيفاً، لكنه يتعافى، استناداً على تقارير التنقل المجتمعي العالمية لشهر ديسمبر الصادر عن «Google COVID-19». 
ونتوقع عودة قوية للنمو في الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات في عام 2021، حيث تواصل الحكومة تنويع مصادر الاقتصاد وتوفير المزيد من الإنفاق على البنية التحتية وتشجيع الاستثمار الخاص كمقياس للنمو والتوظيف الخاص.
وتتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بموارد طبيعية متعددة، وحكومة راغبة وقادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي، وتركيبة سكانية متميزة تجمع بين المواطنين والمقيمين وكلاهما يتميز بالتحدي والإصرار على مواجهة أصعب التحديات. 

فرص تجارية واستثمارية
في عام 2020، شهدنا حل العديد من القضايا الجيوسياسية وظهور فرص تجارية واستثمارية جديدة، والتي لم تكن متاحة من قبل، لذا فإنني أدعو مجتمع الأعمال والمصارف للمشاركة في هذا العصر الجديد لبدء دورة الاستثمار، والعمل على زيادة القدرة الائتمانية، ودعم العملاء المتضررين، وصياغة خريطة طريق مختلفة عما سبق. تحتاج البنوك والمؤسسات المالية الأخرى للنظر إلى الوضع الحالي بفكر مختلف وإعادة صياغة أهدافها واستراتيجياتها بما يتناسب مع العالم الجديد الذي تمت إعادة تحديد معالمه الجيوسياسية، وفي ظل اقتصاد عالمي يتحول بسرعة إلى استخدام التكنولوجيا الرقمية في كافة أعماله، ووجهات تجارية جديدة ومستهلكين يطالبون بأفضل الخدمات. 
إن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة والمصرف المركزي متواجدون دائماً لتقديم الدعم في كافة المجالات التي تتطلب ذلك وفي الوقت المناسب، وسنواصل مراقبة كافة أنشطة الأعمال لضمان استمرار نموها، سواء للأعمال القائمة أو الجديدة، على حد سواء. 
دعونا نتعاون سوياً لإعادة صياغة مفهومنا لممارسة وإدارة الأعمال، ومواصلة الرحلة الناجحة لدولتنا بنظرة مستقبلية ملؤها التفاؤل والإصرار على تحقيق الأهداف المنشودة ومواجهة التحديات بفكر جديد وإدارة متطورة. 
نيابة عن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، أتوجه بالشكر والتقدير للقطاع المالي والمصرفي على ما أظهروه من مرونة وتعاون خلال عام 2020، وأتمنى لهم المزيد من التوفيق في عام 2021.


**محافظ مصرف الإمارات المركزي