دبي (الاتحاد)

شهدت الأسواق المالية أسبوعاً حافلاً آخر كانت فيه تداولات الأسهم العالمية قريبة من أعلى مستوياتها على الإطلاق، حيث انتعشت أرباح الشركات، وحافظت البنوك المركزية على مكانتها الداعمة وسط انتشار كوفيد-19، فيما تعزز توقعات النمو أسعار النفط مع تراجع أسعار الفضة.
ويأتي ذلك بعد أسبوع واحد فقط من المعاناة التي عاشتها البورصة جرّاء التصحيح القصير والحادّ الناجم عن مخاوف من قدرة الهجمات التي حفزها المشتركون في منصة ريديت، والتي استهدفت الأسهم المباعة على المكشوف والفضّة، على زعزعة استقرار الأسواق، وإطلاق شرارة اندفاعٍ على السيولة مماثل لما شهدناه خلال المراحل الأولى من أزمة كوفيد-19 خلال عام 2020.

البيع على المكشوف 
وحسب تقرير ساكسو بنك، ارتفعت تداولات السلع بوجود جيوب من الضعف تركّز أغلبها في المعادن الثمينة، حيث عانت الفضّة من تصحيح كبير بعد المحاولة الفاشلة لفرض مأزق وهمي على عمليات البيع على المكشوف، وزاد تصحيح الفضّة من ضعف الذهب الذي عانت تداولاته في الحدّ من ارتفاع الدولار، الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ أكتوبر، وتأثّرت بالقفزة المتجددة في عائدات السندات على خلفية ارتفاع التوقعات بالنمو والانتعاش في الولايات المتحدة الأميركية، بدلاً من مخاوف ارتفاع التضخّم.

الصناديق المتداولة

  • أولي هانسن
    أولي هانسن

 


وقال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك: انطلاقاً من نظريات المؤامرة وقلّة معرفة المتداولين في مجموعة وول ستريت بتس على موقع ريديت، شهدت أسعار الفضة ارتفاعاً قصيراً لم يطل أمده، وانهارت فكرة التداول بسرعة كبيرة بعد الإخفاق في اختراق عتبة 30 دولاراً للأونصة. 
وأضاف: لسوء الحظ، لم يحدث ذلك إلا بعد امتصاص 3500 طن من الاستثمارات الجديدة في صناديق متداولة في البورصة، ومعظمها غير ظاهر الآن، وخلال ثلاثة أيام، تخطى تراكم المراكز في الصناديق المتداولة في البورصة الكمية التي تم شراؤها خلال الشهور السبعة الماضية.
وجاء الفشل نتيجة حتمية لهذا الارتفاع نظراً لغياب الدعم القويّ من الذهب، والذي انجرّت أسعاره نحو الانخفاض رداً على ارتفاع الدولار وعائدات السندات، فضلاً عن غياب الأسباب الأساسية الموجبة لانتقال نسبة أسعار الذهب إلى الفضّة (XAUXAG) نحو أدنى مستوياتها في سبع سنوات خلال هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية، وتراجعت النسبة نحو 62.35 (أونصة فضة مقابل أونصة واحدة من الذهب) يوم الاثنين قبل أن تعود إلى معدلها المتوسط منذ عشر سنوات عند 70، حسب هانسن. 

مليار أونصة 

وقال: مع ارتفاع أسعار العملات الفضّية والسبائك الصغيرة بفضل قوة طلب التجزئة، والذي أجبر المشترين قليلي الحظّ على دفع قسط ضخم مع خسائر محتملة تتخطى السعر الفوري السائد، أفاد تقرير جمعية سوق السبائك في لندن بأن سوق الأسعار الفورية قد شهدت يوم الاثنين تداولات لمليار أونصة أو 28350 طناً من الفضّة.

الملاذات الآمنة 
وبالرغم من الانتكاسة الأخيرة، أعرب عن تفاؤله بارتفاع أسعار المعادن الثمينة، ولكنه قال: إن الطلب على الملاذات الآمنة انخفض كثيراً جراء التركيز الراهن على سرعة النمو بعد أزمة كوفيد-19. 
وتوقع تجدد التركيز على التضخّم، وانعكاساً محتملاً لقوة الدولار الأخيرة باعتبارهما الدوافع الرئيسية المساعدة على استقطاب عمليات شراء متجددة للذهب، والفضّة بشكل خاص، نظراً لاستخداماتهما في التطبيقات الصناعية، ولا سيما في ألواح الطاقة الشمسية، التي يتوقع ارتفاع الطلب عليها في ظل ازدياد توجّه الحكومات نحو التحوّل الأخضر.
وأوضح: بعد الانهيار بنسبة 14% عن الذروة التي وصلتها يوم الاثنين، وصلت الفضّة إلى خط الدعم قبل 26 دولاراً للأونصة، حيث يعتمد الضعف الإضافي على مستوى صفقات الشراء الضعيفة التي تحتاج لمزيد من التخفيض. 
وقال هانسن: ما زالت أسعار الذهب عالقة في توجّه نحو الهبوط من أعلى مستوياتها في أغسطس، بينما تتمثل المقاومة حالياً عند 1830 دولاراً تليها 1875 دولاراً. ويبقى الدعم عند أدنى مستوياته في ديسمبر، وهو 1765 دولاراً، والذي يعادل ارتداداً بنسبة 50% عن الارتفاع الذي شهدته أسعار المعدن الأصفر في الفترة بين شهري مارس وأغسطس عام 2020. 

قطاع الطاقة
وذكر أن قطاع الطاقة شهد أسبوعاً قويّاً، حيث ارتفعت تداولات النفط الخام بنسبة 8%، وازدادت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 17% بناء على توقعات الطقس البارد والانخفاض الأسبوعي الكبير وغير الاعتيادي في المخزونات. 
وفي الوقت نفسه، تتجه أسعار برميل خام برنت نحو المقاومة عند 60 دولاراً، بما يمثل ارتداداً بنسبة 61.8% من الذروة في عام 2018 إلى المستوى المنخفض في عام 2020. 
وقال ينسن: يستند ذلك إلى تشديد السوق القائم على التوقعات بالتزام أوبك+ بدعم المزيد من مكاسب الأسعار عبر تقييد الإمدادات العالمية، بينما تتحسّن توقعات الطلب مع زيادة انتعاش حركة التنقل العالمية بفضل التوصل إلى لقاح، ويبقى الطلب على المضاربة قوياً، مع دعم إضافي يتمثل في الرغبة المستمرة بالمخاطرة، والتي شوهدت في أسواق البورصة المرتفعة.
وتستند الأسعار في السوق إلى الاعتقاد بأن انهيار الأسعار في العام الماضي، إضافة إلى زيادة تركيز المستثمرين على الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، قد تُحدِث عجزاً في المستقبل جرّاء نقص الاستثمارات الموجّهة للاستكشاف. لكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة، ينبغي أن يشهد الطلب العالمي انتعاشاً نحو معدلاته في العام الماضي عند 100 مليون برميل يومياً، بدلاً من 94 مليون برميل يومياً في الوقت الراهن، بينما تعود أوبك بلس ببطء إلى مستوى إنتاج 7 ملايين برميل يومياً الذي ما زال محدوداً.

التضخم نحو الارتفاع
ولفت هانسن إلى أن التضخم يتجه فعلياً نحو الارتفاع، كما يتضح من ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود، فضلاً عن الاختناقات في خطوط الإمداد والنقل العالمية، والتي تؤدي إلى ارتفاع التكاليف؛ حيث ازدادت تكاليف نقل البضائع في الحاويات من الصين إلى بقية دول العالم بنسبة بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف، مما فرض تكلفة إضافية على أسعار السلع الغذائية المرتفعة أصلاً مثل فول الصويا والذرة. 
وقال: يشكل التضخّم نقطة تركيز نثق بأنها ستواصل النموّ خلال الشهور المقبلة، لا سيما فور أن تبدأ الأرقام الرئيسية بمعاكسة الارتفاع السنوي في تكاليف الوقود، والذي بدأ في أبريل الماضي.

السلع الغذائية 
وخلال الشهور الستة الماضية، ارتفع مؤشر بلومبرج للسلع الزراعية، والذي يتتبّع أداء تسع سلع زراعية لفول الصويا والحبوب والسلع الخفيفة، بنسبة 41% ووصلت أعلى مستوياتها في أربع سنوات تقريباً. 
وقال ينسن: تمثلت الدوافع الرئيسية للزيادة في تداولات بورصة شيكاغو من الذرة (+66%) وفول الصويا (+56%)، وقد وصل كلاهما لأعلى مستوياته في سبع سنوات، واستند الارتفاع الحادّ إلى توجّه الصين نحو شراء فول الصويا والذرة مؤخراً في إطار مساعيها لاستعادة احتياطها من الحبوب، والمخاوف من الطقس الجاف في أميركا الجنوبية، والضريبة التي فرضتها روسيا على صادرات القمح، والإنتاج الأقل من المتوقع للمحاصيل الرئيسية في الولايات المتحدة.
ولفت إلى أن الأسواق تشهد مزيجاً من قوة الزخم والأساسيات المحفّزة لحجم قياسيّ من المضاربات في المحاصيل الرئيسية، بينما دفعت الاضطرابات المستمرّة في قطاع الشحن أسعار شحن الحبوب والبذور الزيتية نحو أعلى مستوياتها منذ أكتوبر 2019.
وقال: دفعت هذه التطورات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة للتحذير من قدرة المسار الحالي للأسعار على إحداث مشكلة كبيرة للدول الفقيرة التي تعتمد على الاستيراد؛ حيث أظهر مؤشرها لأسعار الغذاء أطول خط ارتفاع شهري منذ عشر سنوات، بعد أن قفز بنسبة 4.3% في يناير لإظهار زيادة سنوية تجاوزت نسبتها 10%، ووصل المؤشر، والذي يتتبّع أسعار 95 سلعة غذائية مختلفة موزّعة بين خمس فئات مختلفة، إلى أعلى متوسط شهري له منذ يوليو 2014.