مصطفى عبد العظيم (دبي)

كانت واحدة من أسرع الطائرات مبيعاً لدى شركة بوينج الأميركية، والطائر الذي يبيض ذهباً لعملاق صناعة الطائرات في العالم، فحجم الطلبيات قبل عامين فقط، كاد أن يصل إلى نحو 5 آلاف طائرة بقيمة تصل إلى 600 مليار دولار، لكن سرعان ما هبط طائر الذهب ليجسم على الأرض لعامين متتاليين في أطول عملية حظر من الطيران في تاريخ الصناعة.
إنها طائرة 737 ماكس، الطراز الأحدث من عائلة بوينج 737 العريقة، والذي هز عرش مملكة بوينج، وكبدها خسائر غير مسبوقة في تاريخيها، ودفع الشركة لإجراء اتخاذ قرارات هيكلية حاسمة عجلت بإقالة مسؤولين كبار، وذلك في وقت كانت عمليات إنتاج الشركة من هذا الطراز تسير بوتيرة متسارعة لمواصلة تسليم 800 طائرة 737-8 و737-9، وفقاً لجدول التسليم المقرر مع العملاء من شركات الطيران حين ذاك.
بعد نحو عام وخمسة أشهر فقط، من دخول أول طائرة للخدمة التجارية، من قبل شركة ليون إير الإندونيسية- ثالث أكبر زبون لهذا الطراز- سقطت الرحلة 610 لشركة ليون إير، في بحر جاوا، بتاريخ 29 أكتوبر 2018، لتغرق مع جميع الركاب البالغ عددهم مع الطاقم 118 شخصاً، في أقل من 13 دقيقة، أعقبها في 10 مارس 2019، حادث مأساوي ثان، مع تحطم الطراز ذاته في رحلة رقم 302، للخطوط الجوية الإثيوبية بعد إقلاعها، والذي أودى بحياة جميع من على الطائرة وعددهم 157 شخصاً.
لتبدأ رحلة التحقيقات لمعرفة أسباب الحادثين والربط بينهما، والتي سرعان ما خلصت إلى أن الأسباب مرتبطة بمشكلات فنية في أنظمة الطائرة، مما دفع سلطات الطيران المدني حول العالم لاتخاذ قرارات عاجلة بحظر تحليق الطائرة في أجوائها، وفرضت على شركات الطيران عدم تحريك الطائرات المشغلة لديها من هذا الطراز.
وقامت على الفور إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية في أبريل 2019، بمشاركة ممثلين عن تسع سلطات طيران أجنبية بإجراء تقييماً فنياً مشتركاً للتعديلات التي أدخلتها بوينج على طائرتها من طراز ماكس 737، ومراجعة كافة الخطوات التي تم على أساسها إصدار ترخيص لنظام التحكم الآلي بالطائرة أثناء الطيران، والذي كان سبباً رئيسياً في الحادثين.

تعليق الإنتاج
وقامت بوينج على إثرها بتخفيض إنتاجها الشهري من طائرات 737 ماكس بنحو %20، قبل أن يبدأ المسؤولون التنفيذين في الشركة في يونيو 2019 بالاعتذار عن الخسائر في الأرواح وتعهدهم بتطبيق دروس الأزمة على الطائرات المستقبلية، وإنشاء مجلس إدارة بوينج لجنة سلامة دائمة جديدة للإشراف على تطوير وتصنيع وتشغيل طائراتها وخدماتها في 25 سبتمبر، أعقبه الإعلان عن إقالة الرئيس التنفيذي لقسم الطائرات التجارية في بوينج، ثم إقالة الرئيس التنفيذي للشركة، واتخاذ الشركة قرار بتعليق إنتاج 737 وهو أكبر خط تجميع لها منذ أكثر من 21 عاماً.

المراجعة والتحديث
خلال فترة حظر الطائرة من التحليق كثفت هيئات الطيران في العالم بقيادة إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية من عمليات التدقيق والمراجعة، ووضع متطلبات عديدة لتحديث أنظمة الطائرة وفقاً لمعايير صارمة للسلامة، وألزمت شركة بوينج بتنفيذها بدقة قبل منحها الموافقة على العودة للتحليق، وهي العملية امتدت لمئات الآلاف من الساعات وتطلبت القيام بأكثر من ألف رحلة اختبار وفحص، لتلبية متطلبات جميع هيئات ووكالات سلامة الطيران في دول العالم المختلفة.

استئناف إنتاج
وفي 27 مايو 2020، قالت بوينج إنها استأنفت إنتاج 737 ماكس «بمعدل منخفض»، بعد توقف الإنتاج في يناير، بالتزامن مع إدخال أعضاء الكونجرس الأميركي تشريعات لتعزيز إشراف إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) على اعتماد الطائرات، صاحبه اعتراف ستيف ديكسون رئيس إدارة الطيران الفيدرالية، بأن شركة بوينج ووكالة السلامة الجوية الأميركية ارتكبتا أخطاء في طائرة 737 ماكس.

موافقة أوروبا
تلقت بوينج دفعة إضافية مع إعلان وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي «اياسا» في 27 يناير الماضي، الموافقة على عودة طائرة بوينج 737 ماكس إلى التحليق في الأجواء الأوربية، ورفع الحظر المفروض منذ قرابة العامين على تحليق هذا الطراز، بعد استيفاء شركة بوينج الأميركية للمتطلبات الأربعة التي حددتها الوكالة لتحسين الطائرة قبل السماح لها بالعودة إلى الخدمة.
وجاءت شهادة باتريك كاي المدير التنفيذي للوكالة لتشكل علامة ثقة جديدة في سلامة الطائرة، وتأكيده أن الوكالة بات لديها ثقة كاملة في أمان الطائرة، وهو شرط مسبق لمنح الموافقة، غير أنه شدد على مواصلة الوكالة مراقبة عمليات 737 ماكس عن كثب مع استئناف الطائرة للخدمة، والإصرار على أن تلتزم بوينج أيضاً بالعمل على تحسين الطائرة أكثر من هذا في الأجل المتوسط، من أجل الوصول إلى مستوى أعلى من الأمان.
وأوضح كاي أنه بعد إجراء تقييم شامل من قبل والوكالة، فإنه يمكن لطائرة 737 ماكس أن تعود إلى الخدمة بأمان، خاصة بعد أن قمنا بإجراء اختبارات الطيران وجلسات المحاكاة الخاصة بالوكالة التي دفعت لإيجاد حلول تبنى متطلبات السلامة الصارمة، إلى أن أصبح لدينا ثقة تامة من أن الطائرة أمنة.
وتضمنت الشروط التي حددتها الوكالة قيام الوكالة بمراجعة شاملة مستقلة لتصميم الطائرة والالتزام بإجراء التحديثات المطلوبة وتحديثات الصيانة ودليل العمليات والتدريب الكافي للطيارين.
كما أعلنت كندا كذلك السماح باستئناف الرحلات الجوية فوق أراضيها لطائرة بوينج 737 ماكس بعد أن أكملت وزارة النقل الكندية، مراجعة تعديلات التصميم التي أمرت بها إدارة الطيران الفيدرالي الأميركية في نوفمبر الماضي، وذلك في «خطوة أولى مهمة» نحو إعادة ترخيص طائرات هذا الطراز في كندا.

اختبارات الطيران
في نهاية يونيو 2020، بدأت بوينج سلسلة من اختبارات الطيران التي طال انتظارها لطائرة 737 ماكس المعاد تصميمها مع وجود جهات تنظيمية في عناصر التحكم، أعقبها قيام رئيس إدارة الطيران الفيدرالية في سبتمبر الماضي، بإجراء رحلة تقييمية استغرقت ساعتين تقريباً لفحص تحديثات طائرة بوينج 737 ماكس، ثم قيام الإدارة بإصدار مسودة تقرير حول إجراءات التدريب المنقحة للطائرة 737 ماكس.
وبعد نحو 20 شهراً من الحظر والمراجعة الشاملة لبرنامج تصنيع الطائرة، أعلن ستيف ديسكون، رئيس إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية، أن بوينج 737 ماكس تعد أكثر طائرة خضعت للتدقيق في تاريخ صناعة الطيران، وذلك بعد أن تم إدخال تغييرات في التصميم تنهى تماماً احتمال وقوع حوادث مشابهة، وأن بوينج ستدير غرفة عمليات على مدار الساعة لمراقبة جميع رحلات طائراتها المحدثة.
لتعلن إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية في 18 نوفمبر 2020، إلغاء حظر العمليات التجارية لطائرات بوينج 737-8 و737-9

طلبيات جديدة
بالتزامن مع اقترابها من العودة إلى الخدمة بشكل أوسع خلال الفترة المقبلة، حيث من المقرر أن تعيد «يونايتد إيرلاينز» تشغيل طائرات «ماكس» إلى أسطولها برحلات في 11 فبراير الجاري، وكذلك إعلان «ساوث ويست إيرلاينز» التي تملك أكبر أسطول من هذه الطائرات، إنها ستعيد تشغيلها في الربع الثاني من العام 2021، بدأت مؤشرات عودة الثقة بهذا الطراز تبرز مجدداً مع إعلان شركة بوينج عن تلقيها طلبات جديدة في الأسابيع الأخيرة، ما يشير إلى أن وضع الشركة قد يشهد تحسناً كبيراً، لا سيما مع خضوع الطائرة لأكبر عمليات تدقيق في التاريخ، الأمر الذي قد يجعلها واحدة من أكثر الطائرات أماناً في المستقبل.
وقالت بوينج في تقريرها لنتائج الربع الأخير من السنة المالية للعام 2020، إن عودة طائرة 737 ماكس إلى الخدمة في الولايات المتحدة والعديد من الأسواق الأخرى كانت خطوة مهمة، مشيرة إلى أنه ومنذ موافقة إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) على العودة إلى العمليات، قامت بوينج بتسليم أكثر من 40 طائرة 737 ماكس، وأعادت خمس شركات طيران بأمان أساطيلها إلى الخدمة حتى تاريخ 25 يناير 2021، حيث حلقت رحلاتها بأمان لأكثر من 2700 رحلة جوية وحوالي 5500 ساعة طيران.

أول رحلة
عادت طائرة «بوينج 737 ماكس» للتحليق مرة أخرى، في أول رحلة تجارية داخل الولايات المتحدة، تقل 100 راكب في 29 ديسمبر 2020، قامت بها طائرة تابعة لمجموعة «أمريكان إيرلاينز» الأميركية وهبوطها في مطار لاجوارديا في نيويورك ثم عودتها وعلى متنها نحو 172 راكباً.
وقال حينها روبرت إيسوم رئيس شركة الطيران، قبل إقلاع الرحلة من مطار ميامي الدولي: «هذه طائرة خضعت لتدقيق شديد أكثر من أي وقت مضى، نحن واثقون جداً من أن هذه الطائرة هي الأكثر أماناً في السماء».

خطوات مطلوبة
بعد أن ترفع الجهة التنظيمية أمر حظر عمليات تشغيل 737 ماكس لشركات الطيران الخاضعة لولايتها القضائية، تبدأ بوينج وشركات الطيران العمل على حصول شركات الطيران على الموافقة التنظيمية لبرامج التدريب الخاصة بها، وإتمام جميع الطيارين كل مراحل التدريب المطلوبة.  أما فيما يتعلق بالطائرات التي تم تسليمها بالفعل لشركات الطيران، فستقوم هذا الشركات بالتنسيق مع بوينج وهيئات الطيران المدني المشرفة عليها، بتنفيذ جميع التغييرات المطلوبة المحددة من قبل المنظم على الطائرات في أساطيلها وإكمال جميع مهام إعادة التشغيل.