فاجأتنا اتجاهات الاستثمار في الأسواق المالية العالمية من الأسهم أو السندات أو العملات المشفرة حول العالم بفصل جديد واتجاهات صاعدة محمومة مع ارتفاعات وعلى مستويات تاريخية، متجاهلة الواقع وسط تزايد عدد الإصابات والوفيات بسبب الوباء.
مشهد مختلف تماماً عن مارس 2020، حيث شهد انهياراً جذرياً في النشاط الاقتصادي العالمي مع تنبؤات وخطوط عامة لمشاكل اقتصادية قصيرة وطويلة الأجل. تلعب الأسواق المالية دوراً مهماً متعدد الأوجه من حيث توجيه الموارد المالية نحو فرص الاستثمار، وتنوع الأدوات المالية المقدمة للمدخرات الفردية والمؤسسية والحكومية.
فمن ناحية، يعكس المناخ الاستثماري لحركة رأس المال، ويمثل الأنشطة وحجم الإنتاج وتطوير المؤسسات الخاصة والمختلطة.
كقاعدة مثبتة، تتفاعل الأسواق المالية دائمًا مع «ما سيحدث» بدلاً من «ما حدث».لكن شرح كيفية أداء الأسواق واتجاهات الاستثمار يثير العديد من الأسئلة والتفسيرات، وبالتالي، وفقاً لإحصاءات بلومبرج كانت حركة السوق العالمية نتيجة إجمالي المعروض النقدي قدره 14 تريليون دولار في 12 من أكبر اقتصادات العالم (الولايات المتحدة، والصين، ومنطقة اليورو، واليابان، وثمانية اقتصادات متقدمة أخرى).لعبت البنوك المركزية دوراً فعالاً في طباعة الأموال التي احتاجت إلى ضخها مباشرة في الأسواق المالية عن طريق شراء السندات والأصول الأخرى على نطاق لم يسبق له مثيل من قبل.
وفقاً لمؤشر بلومبرج باركليز العالمي المجمع، أدت مشتريات البنوك المركزية إلى قمع عوائد السندات بمتوسط انخفاض قدره 1% على مستوى العالم.
ليس هذا فحسب، بل إن حجم السندات التي يقل عائدها عن الصفر ارتفع فوق 18 تريليون دولار، مما زاد من القمع المالي الذي عانى منه المدخرون منذ الأزمة المالية في نفس السياق، كانت العملات الإلكترونية، وخاصة عملة البيتكوين، موضع جدل وحذر دائماً بسبب مخاوف فنية وتنظيمية وأمنية.
تغيرت المعادلة، وحققت أرقاماً قياسية، متجاوزة 40000 دولار، مما دفع القيمة السوقية للعملات المشفرة إلى أكثر من تريليون دولار.
قد يكون سبب ميزتها في محدودية العرض، ومن ناحية أخرى، الخوف من التضخم المفاجئ الذي قد يؤثر على العملات السيادية بسبب طباعتها.
في الختام، من المؤكد أن أسواق المال تعكس صحة وتعافي الاقتصادات.
والسؤال هنا: هل انعكست حركة السوق المالية العالمية على عودة دورة الإنتاج والصناعة، وزيادة معدلات التشغيل، وتراجع معدلات البطالة والفقر؟ طبعاً برأيي الجواب لا، إن لم يكن تراكم الثروة في فئة معينة، واشتداد المخاطر التضخمية وعدم اليقين في أسعار صرف العملات، وتفاقم الفجوة بين المؤشرات الإنتاجية والأسواق المالية، مما يعكس البنية الهيكلية لفلسفة النظام الرأسمالي العالمي.

* د. يحيى زكريا الشحي