ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية في العام 1945، حتى دبّت الحياة مجدداً في أوصال المجتمعات التي كانت تتصارع حتى الموت، وفي غضون عام ارتفع عدد المواليد السنوي في أميركا، ليتخطى حاجز الـ 4 ملايين طفل للمرة الأولى في التاريخ.
كان ذلك تأريخاً لجيل جديد أصبح يسمى لاحقاً بـ «جيل طفرة المواليد»، وكان ذلك الجيل تعبيراً عن انتصار الحياة على الموت، وربما لهذا السبب فإن ما يجمعهم هو أنهم امتلكوا قدراً طيباً من الدلال والرفاه الاجتماعي، ونمت فيهم خصال الثقة بالنفس والاعتداد، والاقتناع بأنهم أصحاب خصوصية غير مسبوقة.
بعد ذلك توالت الأجيال المتعاقبة، وجرى تقسيمها بناء على التسلسل الزمني والخصائص المرتبطة بالمرحلة، ثم جرى تسميتها باستخدام الحروف اللاتينية، فجاء جيل (X) ثم جيل (Y) وهو نفسه جيل الألفية، ثم جيل Z وهو الجيل الرقمي، أي جيل الأطفال الذين ولدوا بعد العام 1995 وصولاً إلى العام 2010.
وقد وُصف جيل Z بأنه يمثل ثورة بكل المقاييس لما يمتاز به من خصائص معرفية مذهلة، حتى أن بعض الدارسين وصفوه بأنه جيل الرقميين الجدد (النيورقميين)، أسوة بالليبراليين الجدد.
لماذا نعاود الكتابة عن الأجيال عموماً، ومنها جيل Z، وقد كتبنا عنه بالفعل قبل مدة من الزمن؟ السبب هو أن بوادر جيل جديد جداً، ومختلف كلياً تتراءى لنا في الأفق، وهو جيل ألفا الذي يبلغ عمر أكبر أبنائه العشر سنوات فقط.
ولد أبناء جيل «ألفا» بعد العام 2010، ويقال إن جائحة كورونا هي التي سرّعت الانتباه لوجوده وللخصائص غير المسبوقة التي يمتلكها، والتي ينتمي جلّها للمستقبل بأكثر مما ينتمي للحاضر.
أول من أطلق اسم «ألفا» على هؤلاء هو الباحث الأسترالي مارك ماكريندل الذي رفض مقترحاً باستخدام الحرف اللاتيني (A) لتسمية الجيل باعتباره يعني العودة للبدء من جديد.
واختار بدلاً من ذلك الحرف الإغريقي «ألفا»، الذي يعني بزوغ شيء جديد مختلف كلياً عما سبق.
السر إذن، يكمن في طبيعة أبناء هذا الجيل الذين يمتازون بصفتين رئيسيتين: الأولى أنهم ولدوا لآباء رقميين (جيل Z وسابقه)، وبالتالي عاشوا في بيئة زاخرة بالتقنيات المتلاحقة، أما الثانية فهي أنهم أول جيل في التاريخ يعيش أزمة عالمية شاملة، يتم التصدي لها بحلول رقمية بالكامل.
وبحسب تقرير لوكالة «جارتنر»، فإن مستقبل الحياة الرقمية بذكائها الاصطناعي وثورتها الصناعية الرابعة هو بيد هذا الجيل الذي يمتلك ما يُعرف بالوصول الشامل (Total Access)، ولديه القدرة على التعامل مع التقنيات بدرجة عالية من التكيّف والمرونة والمناورة.
اليوم، ونحن منهمكون بكل ديناميكية ونشاط في تصميم مستقبل وطننا، أقول إن استشراف المستقبل ربما يبدأ بمراقبة أبناء جيل ألفا، لأن الكثير من قواعد اللعبة ستتغير على أيديهم وبشكل دراماتيكي.

حمد المنصوري
مدير عام الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات