«عندما يتحدث الذهب، تعجز البلاغة»
بوبيلوس سيروس، مؤلف لاتيني عاش قبل الميلاد

في زحمة الأزمات الاقتصادية المختلفة، يرفع الذهب من حضوره على الساحة الاستثمارية في العالم.
صحيح أن عوائده تكون عادة أقل من تلك الآتية من ميادين استثمارية أخرى، مثل الأسهم والعملات والتجارة مثلاً، لكن الصحيح أيضاً، أن المستثمرين، حتى أولئك الذين يتسمون بروح المغامرة والمخاطرة، يجدونه ملجأ آمناً من العواصف الاقتصادية، خصوصاً تلك التي تأتي معها بالركود أو الكساد.
في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في العام 2008، تدافع المستثمرون والمدخرون لحيازة الذهب، الأمر الذي أدى بالتالي إلى ارتفاع قيمته، ولا سيما عندما أسرع هؤلاء إلى حماية ما يملكون خوفاً من ضياع ممتلكاتهم في زحمة أزمة مالية لا تحدث (كما قيل وقتها) إلا كل 100 عام.
مع تفاقم الركود الاقتصادي العالمي حالياً، والذي وُصف بأنه الأعمق منذ ثمانين سنة، بدأ الحراك الاستثماري نحو المعدن الأصفر يتفاعل بقوة، مع تعرض أسواق الأسهم العالمية إلى الاضطراب وانخفاض قيمتها، ومع تأرجح قيمة العملات الرئيسية أيضاً.
كان هذا طبيعياً، في ظل مواجهة غالبية الدول لموجة ثانية من وباء «كورونا» المستجد.
ورغم أن الإقبال على هذا المعدن لا يزال في بدايته، إلا أنه يشهد تسارعاً لافتاً هذه الأيام، بينما تشير التوقعات إلى أنه سيصل إلى مستويات مرتفعة جداً في الفترة المقبلة، ما رفع قيمته.
فكل شيء مرتبط بطبيعة أداء الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة، مع استمرار حالة عدم اليقين، وارتفاع مستويات الدعم الذي توفره الحكومات لاقتصاداتها في هذا البلد أو ذاك.
الحالة «الإيجابية» للذهب تنحصر في الواقع في وضعية الحراك الاقتصادي في الدول المتقدمة، ولا سيما الولايات المتحدة، التي تعتبر محركاً رئيسياً للاقتصاد العالمي.
أي أنها تكون إيجابية بقدر سلبية الأداء الاقتصادي العام.
ووفق خبراء، فإن الركود الحالي، سيرفع حتماً تكاليف الاستيراد، ويضعف بالتالي ربحية الشركات، وينشر الاضطراب في ميدان الأعمال التجارية المختلفة.
ويعتقد هؤلاء، أن هذه بيئة مثالية للذهب ليتحول إلى حالة استثمارية يصعب منافستها. وهذا صحيح إذا ما نظرنا إلى أحداث مشابهة مر بها الاقتصاد العالمي في القرن الماضي.
ومن هنا، ليس غريباً أن يرتفع سعر الذهب في العام المقبل بنسبة 10%، الأمر الذي سيرفع بالتالي الإقبال على الاستثمار فيه، إلى أن يتضح المشهد العام.
اللافت، أن اتحاد السبائك البريطانية، يتحدث عن ارتفاع لقيمة المعدن الأصفر ما بين 25 و50% بين عامي 2012 و2024، إذا ما استمر ما وصفه بـ «الركود الكبير»، وإن توقع في هذه الحالة أن تحدث تراجعات سعرية طفيفة في بعض الأحيان.
لكن في النهاية، سيحقق هذا المعدن مكاسب كبيرة في حال بقاء الوضع الاقتصادي على ما هو عليه، ما يرفع من وهج بريق الذهب على الساحة العالمية، ويكرسه سلعة آمنة في أوقات الأزمات، وحتى في زمن الازدهار والنمو.

* محمد كركوتي
karkouti@hotmail.com