«قدرة الاقتصاد التركي على تحمل الصدمات محدودة»
 حبيب راب، رئيس برنامج تركيا 
في البنك الدولي

 أسوأ المصائب التي يرتكبها صاحب القرار، هي تلك الناجمة عن معاندته للحقيقة. والرئيس التركي رجل طيب أردوغان الغارق في وحل أزمة بلاده الاقتصادية، يتصدر قائمة الحكام الذين يعيشون أوهاماً لا تنتهي، من فرط نكرانهم للحقائق الموجودة على الأرض. الكل يعرفها ويحذر منها، ناهيك عن أولئك الذين يعيشونها بصورة مباشرة. الأزمات الاقتصادية تصيب كل البلدان بين الحين والآخر، وهذا أمر طبيعي في ظل حراك اقتصادي متغير، ومستجدات بعضها يأتي في سياق طبيعي، وبعضها الآخر يظهر بشكل مفاجئ. لكن الحال على الساحة التركية مختلف، لماذا؟ لأن السلطة الحاكمة أخضعت اقتصاد بلادها، إلى معايير حزبية ضيقة، ولمآرب سياسية تنال بعنف من المصالح الوطنية، التي يفترض أن تتقدم المشهد العام دائماً.
 من ضمن الضربات التي يتعرض لها الاقتصاد التركي، تلك التي تشهدها الليرة والاستثمارات الأجنبية. فتقلبات العملة حادة جداً، بعد أن فقدت 20% من قيمتها منذ مطلع العام الحالي، وكل المؤشرات تدل على أن هذه العملة ستغوص أكثر قبل نهاية هذا العام. ورغم كل المحاولات لثني أردوغان على عدم التدخل في سياسات البنك المركزي، إلا أنه ما زال مصراً على تحديد سعر الفائدة، وجعلها بأدنى مستوى. والسبب -مرة أخرى- سياسي. فهو يضرب الليرة بفائدة منخفضة لتحقيق مكاسب انتخابية مأمولة لاحقاً، في ظل تراجع شعبيته، بسبب جملة المشاكل التي يتعرض لها الاقتصاد الوطني. وهذا ما يفسر الخلافات المستمرة بين مسؤولين في «المركزي التركي» ورأس السلطة في البلاد، وكذلك الاستقالات المتتالية في حكومته.
 الجانب الخاص بالعملة التركية، بالإضافة إلى مستويات عجز ميزان المعاملات التجارية، ومشكلات سداد ديون القطاع الخاص، أنتجت حالة نزوح كبيرة للاستثمارات الأجنبية من البلاد، في الأشهر الماضية. وموجات النزوح هذه تشكلت في الواقع قبل عدة أعوام، إلا أنها تعاظمت في السنة الماضية، وهي مستمرة في الارتفاع. ففي الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بيعت أصول منقولة داخل تركيا بقيمة 8.4 مليار دولار، وحولت إلى أموال نقدية، وتم إخراجها من البلاد. ووفق بنك «أفرو آسيا»، فإن نحو 4 آلاف مليونير نزحوا من تركيا خلال العام الماضي، والعدد ارتفع هذا العام، بعد أن شعر المستثمرون بمخاطر كبيرة، خصوصاً مع فشل البنك المركزي في إطار تحركه لإنقاذ الليرة، في إقناع أردوغان لوقف خسائر العملة، عبر سياسة واقعية على صعيد الفائدة.
 لا أحد يتوقع حلولاً سريعة لهذه المعضلة على الساحة التركية، وهذا يعني أنه لا علاج للأزمة الراهنة التي تكبر مثل كرة الثلج، خصوصاً إذا أضفنا الآثار الاقتصادية المرعبة الناجمة عن تفشي وباء «كورونا» المستجد. فتسييس أردوغان لاقتصاد يُفترض أن يكون حراً ومفتوحاً ومستقطباً للاستثمارات، سيجلب له الويلات الانتخابية في مرحلة آتية لا محالة. 

* محمد كركوتي
karkouti@hotmail.com