تسبب تفشي فيروس كورونا، المسمى (كوفيد - 19)، في تعطيل الاقتصاديات عالمياً، وخلق تطور المرض وانتشاره السريع وتأثيره الاقتصادي ضبابية كبيرة، ما أربك صانعي السياسات في صياغة استجابة مناسبة لسياسة الاقتصاد الكلي، وإعادة التوازن إلى الأسواق المالية، وفي عالم مترابط ومتكامل، أصبحت آثار الجائحة واضحة، وسط تباطؤ الاقتصاد العالمي، مع توقف الإنتاج، وتعثر سلاسل التوريد.
كانت استجابة دولة الإمارات للجائحة متماشية مع المبدأ العام وهو سلامة الإنسان، فسنت مجموعة من الإجراءات للحد من انتشاره ومواجهته، عبر قرارات صحية واجتماعية واقتصادية، للحفاظ على مكونها البشري ومكتسباتها التنموية والعلمية، فحدت من التجمعات البشرية، وفعلت العمل عن بُعد في المكاتب الحكومية، وأطلقت مبادرة التعلم عن بُعد لضمان استمرارية التعليم، كما زادت عمليات الفحص المخبري، وضاعفت جهود التطهير، وأنشأت فرق عمل لضمان عدم انقطاع الإمداد بالسلع الاستهلاكية ومنع ممارسات التلاعب بالأسعار، وقد حظيت استجابتها للجائحة داخل حدودها وخارجها بثناء دولي، عبر الجهود والمساعدات الإنسانية التي قدمتها لمختلف دول العالم.
من جانب آخر، لعبت السياسة النقدية دوراً رئيسياً في استمرارية البرامج الاقتصادية التنموية، من خلال ضبط انخفاضات النمو في الأنشطة الاقتصادية والتحكم بتقلبات الأسعار، عن طريق إجراءات تنظم الطلب والعرض النقدي، وتتمثل أدواتها بنافذة الخصم ونسبة الاحتياطي النقدي على الودائع وعمليات السوق المفتوح والرقابة النوعية على الائتمان، للمحافظة على آلية النشاط الاقتصادي واستقراره، لذلك اتخذ مصرف الإمارات المركزي تدابير لزيادة المعروض النقدي، وضمان استقرار العملة الوطنية، بما يتناسب مع المتغيرات الطارئة. وعلى ضوء ذلك، أطلق مجموعة من التدابير لتعزيز الثقة، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم الاقتصاد الوطني، وحماية الشركات والأفراد، وذلك بخفض سعر الفائدة مرتين بمقدار 125 نقطة أساس، وأطلق حزمة دعم بقيمة 256 مليار درهم، تضمنت خفض الاحتياطي المطلوب للبنوك، وقروضاً مضمونة بفائدة صفرية، والسماح للبنوك بتأجيل سداد القروض حتى نهاية عام 2020، والسماح باستخدام احتياطيات رأس المال الوقائي، والإعفاء من الرسوم المصرفية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وزيادة نسبة القرض إلى القيمة لمشتري العقارات لأول مرة بمقدار 5 نقاط مئوية، وغيرها من الإجراءات. خلقت الجائحة تحديات في تصميم أفضل ردود أفعال للسياسة النقدية، لما سببته من شلل لمفاصل النشاط الاقتصادي والاجتماعي بالعالم، فكان توفير السيولة واستمرارية التدفقات النقدية وسد النقص الحتمي فيها، وحماية ميزان المدفوعات، ودفع المؤسسات المالية لتوفير الائتمان للشركات والأفراد، ومعالجة القروض المعدومة التي ستنتج حتماً، والتيسير المؤقت لمتطلبات رأس المال ذات الصلة، ومواجهة التقلبات في الدورة الاقتصادية، دليلاً على سعي الدولة لحماية بيئتها الاقتصادية ومواجهة تداعيات الجائحة، والحفاظ على مكانتها الريادية على المستويين الإقليمي والعالمي.

* يحيى زكريا الشحي 
باحث اقتصادي